ضج الشعب من ملك حاكم طغى وبغى، وكادت الأمور تفلت من يده. جمع كبار حاشيته للتشاور. استمع إلى نائبه فشك في رؤيته وحلوله العرجاء، فأخرسه بعد أن اشتمَّ منها رائحة غدر وخيانة؛ وأمر بعزله وحبسه. وأنصت إلى فقيه سلطته فهزّأه لخطورة فتواه المنافقة. وجاء وزير إعلامه فقدّم طروحات خرقاء بنبرة طبولية جوفاء، هستيرية... فلم ترق له.صرخ الحاكم موبّخاً مستشاريه. وأمر بإخراجهم من القاعة الحصينة التي صُمِّمت جدرانها بكاتم صوت، حتى لا يُسمِعوه هديرَ الشعب خارج قصره.قضى ليلته مهموماً، حائراً، مذعوراً. في الصباح طلب مستشاره العلمي وقال له: أنت عالِم عبقري. وأنا أثق بعلمك. أهل السياسة والدين والإعلام من حولي أغبياء منافقون. فماذا لديك أنت؟- يا مولاي! بالأمس القريب حصل عالِم ياباني على جائزة نوبل في الطب. وقد فكّرت بأن نوظِّف نظريته العبقرية في أوضاعنا للقضاء على هؤلاء الرُّعاع.- وما دخل الطب في السياسة ؟ لا تكن أخرق كالآخرين!- يا مولاي، السياسة طب أيضاً، تعالج الشعوب المريضة! سأشرح لك: نظرية هذا العالِم الياباني واسمه يوشينوري أوسيمي، تتحدث عن «الالتهام الذاتي للخلايا»، وهي مناسبة لنا جداً في هذه المحنة.- كيف ذلك ؟- خلايا أجسامنا، يا مولاي، تأكل نفسها. وفي عملية التهام ذاتها تتخلص من الأجسام أو المواد غير المرغوب فيها. وهذا الالتهام الذاتي يحفِّزه صومٌ مدروس؛ فيقضي على كثير من أمراض الشيخوخة؛ فتتجدد خلايانا بانبعاثها حيّةً من موت خلايانا القديمة!. والأهم أن «أعمارنا» تطول أكثر، يا مولاي!- وكيف سنطبقها ؟- علينا أولا بالتهام ذاتِنا... أو بعضٍ منها! نتآكل من داخلنا قليلاً يا مولاي؛ فنبعث خلايانا من موت قديمِها!. أولاً نصوم قليلاً! تعجّب الحاكم ساخراً:- ولكنْ تعرف أنني لا أصوم. ولا أحد من حاشيتنا- كما تعلم- يصوم. ودعك من صوم فقيهنا الأكبر فأنت تعلم دوافعه. صومه سياسي، وهو يعلم أنه غير مقبول عند ربه!- يا مولاي، أعني نصوم قليلاً عما يدّعون أنه ظلم واستعباد لهم! فنُخرِج من السجون بعض الغوغاء المشرفين على الهلاك، ونمنح الشعب بعض العطايا مما في خزائنك الكريمة !- وكيف نلتهم ذاتنا؟ تقول نتآكل من داخلنا؟ ما هذا التخريف؟- يا مولاي، أليس لديك في حاشيتك «خلايا» وأجسام غير مرغوب فيها؟ ألا تبدو أحياناً غريبة بتفاعلاتها؟ هي ميتة؟ نتخلّص منها؛ فنجدد بهذا خلايانا نحن... من موتها هي! ولن تعرف سلطتُك الشيخوخة يا سيدي؛ فيطول عمر حكمك!قال الحاكم بفرحة غمرت وجهه العابس المذعور:- أنت شيطان رجيم! ولكن أريد أن تُحضروا لي هذا العالِم الياباني ليشرف على تطبيق نظريته، ولنكرمه!- يا مولاي، لن يأتي. فهو عالِم... من عالَم آخر! نحن لدينا من يطبّقها بحذافيرها؛ فهم يتابعون كل جديد ينفع في تجديد خلايانا. ألا نلتهم ذاتنا ؟ ألانتآكل من داخل ذواتنا؟ هذه هي النظرية. فاطمئنْ!- والله إذا فشل التطبيق فستكون أنت أولى الخلايا الملتهَمة! لكن ليس بخلاياك الذاتية، بل بـ«خلايانا» نحن!* شاعر وناقد سوري
محليات - ثقافة
خواطر تقرع الأجراس / مولاي ... عليك بالالتهام الذاتي!
مصطفى سليمان
06:11 م