منذ كنت صغيراً كنت أعلم أن وطني مساحته صغيرة، كانوا يقولون لي إننا لسنا الأصغر على الإطلاق ولكن مساحتنا صغيرة!!هكذا خلق الله الكويت... بهذه الجملة كانوا يسكتوني عندما أسال ولماذا هي ليست الأكبر؟ولأن الأطفال لا يعرفون التجريد ولا يملكون أبعاد المساحات، فقد كنت أرى وطني في مكعبات السكر الصغيرة، وعلب الحلوى الصغيرة، والصناديق الصغيرة المليئة بالمفاجآت، وكل الألعاب بما فيها قوارب النجاة المعلقة في سفينة زرقاء بلاستيكية صغيرة ملقاة بين عشرات الألعاب... كنت أراه في التفاصيل... هكذا كنت أفهم معنى صغيراً.ثم تفتق الوعي عندي في الغزو العراقي... هذه المساحة الصغيرة مخطوفة!!أنظر إلى ألعابي وتفاصيلي الصغيرة فأجدها كما هي، ثابتة لا تتحرك قوية كما عهدتها. فأرفع يدي للسماء وادعو (يارب احفظ ألعابي ومكعبات السكر)!!ولذلك تحررت الكويت... هذا ما كنت أظنه على الأقل وقتها.نحن الأطفال لنا وعي مختلف عنكم أنتم أيها الكبار، ربما تعتقدون أن كلمة (وعي) هنا غير مناسبة، ولكن كل ما في الموضوع أنكم كبرتم ونسيتم أنكم مازلتم تتذكرون أنه يوماً ما كان لديكم وعي (هناك) سقط منكم (هنا) بسبب تشابك الأيام والليالي، أو ربما بسبب نقمة المعرفة.منذ أشهر أصبحت طفلاً كبيراً يجر وراءه اثنين وثلاثين عاماً، ومازلت أرى وطني في التفاصيل الصغيرة أيضاً.بالتأكيد ان التفاصيل أخذت شكلاً آخر، فهي ليست الصناديق الصغيرة المليئة بالمفاجآت، وليست مكعبات السكر، إنها تفاصيل لم تعد تملكها وأصبحت تملكك، حوض كبير من التفاصيل عليك أن تغطس فيه كل يوم!!واليوم بالتحديد يوم الانتخابات حيث سنغطس حتى الثمالة في التفاصيل.تفاصيل بناءً على المعتقد...تفاصيل بناءً على الدم...تفاصيل بناءً على مسقط رأسك...تفاصيل بناءً على رأس المال...تفاصيل بناءً على آرائك السياسية...تفاصيل تم اختلاقها ووضعها في أشرطة أو تغريدات أو مقاطع فيديو مركبة، وتفاصيل أخرى ظاهرة للجميع ورغم ذلك لا يراها أحد.تفاصيل كثيرة أكثر ما يميزها أنها لم تعد صغيرة، ولم تعد تفاصيل!!تفاصيل ستوضع اليوم في صندوق كان في الماضي مصنوعاً من الخشب لا يظهر ما بداخله من أوراق ولكن مع الأيام والليالي والرفث إلى الحكومات كي تكون أكثر شفافية، جعلوا منه شفافاً... وعتموا العقول!!صندوق سيشاهد ويلمس اليوم الكثير من الأيادي المرتشعة والواثقة والنظيفة والملوثة، سيستمع لما يُقال في اللجان بلا آذان، وأحياناً سيصرخ بلا لسان عندما يرفض أن توضع في داخله ورقة انتخابية لناخب لم يتم إعداده وتعليمه مسبقاً ماذا يعني أن ترمي ورقة داخل الصندوق؟ماذا يعني أن تنتخب أناساً جعلوا من برامجهم الانتخابية شخصاً واحداً؟ماذا يعني أن تنتخب أناساً تسلقوا على كتف رجل واحد؟ما الذي يعنيه لك أن بعض أصحاب العلاقات الاجتماعية والقدرة على إثارة النعرات الجاهلية قد نالوا حقهم في الكلام تحت قبة البرلمان طالما أنهم لا يحلون لك مشكلة، بقدر ما يخلقون لك مشاكل؟وما الذي يعنيه لك أن تشارك أو تقاطع؟ طالما أنك لا تسيطر على مجالك الحيوي كشاب أو شابة تم اختزال كل خصائصكم وإمكاناتكم في إشكالية الاختلاط داخل جامعة تحترق باستمرار!ما الذي يعنيه لك أن أكتب عن تفاصيل صغيرة وأضعها على سطر متعرج أو متراقص... وأحياناً سطر مليء بالحواجز الأمنية والعسكرية والنقاط التفتيشية التي تقول لي (قف هنا... ولا تتجاوز)في الواقع هذا لا يعني شيئاً البتة، لطالما أننا وصلنا لمرحلة اعتبار القول فعلاً، والكلام إنجازا، والتصريح إبراءً للذمة والوفاء بحقوق الأمة.أما الصناديق فلن أحملها مسؤولية ما وصلنا إليه من طرح جعل الجميع يضرب الجميع ولا يُصاب إلا الوطن.اليوم هو يوم التفاصيل... بتفاصيلها!!مبروك للناجحين... ولا أملك حلولاً أو بدائل سوى أن أرجوكم ألا تكدسوا علينا التفاصيل أكثر من ذلك، لأنها تزحف إلى أطفالنا عبر الإنترنت (شبكات التواصل) أو عبر الأذن، أو عبر الاستقراء الطفولي البريء الذي يربط السبب بالمسبب فيتكون الوعي ولكن هذه المرة بلا مكعبات سكر أو ألعاب صغيرة أو حتى صناديق تحوي مفاجآت جميلة.لأنه إذا تضخمت التفاصيل أكثر وأكثر... فستختفي قوارب النجاة.دليل قراءة المقال:* المقال تجربة شخصية* قابل للزيادة من باب زيادة التفاصيل.* ممنوع اصطحاب الكبار.كاتب كويتيmoh1alatwan@