لم يتوقع معظم ناخبي الشعب الأميركي ان يحقق المرشح الرئاسي دونالد ترامب الفوز بجدارة بعد زلزال سياسي استطاع ان يربك العالم بأسره. فترامب عكس كل التوقعات والتحليلات السياسية استطاع ان يحقق فوزاً ساحقاً على منافسته هيلاري كلينتون، ليظهر لنا جلياً بان اعصار ترامب قد اجتاح كل الولايات المتحدة بعد ما انقسم المجتمع الأميركي اكثر ما كنا نعتقد، الامر الذي اكد لنا ان مجرى الانتخابات الشعبوية قد سيطرت عليها غالبية الحزب الجمهوري بعد تمكنه من استحواذ غالبية مقاعد الكونغرس والبيت الابيض.ففي الساعات الاولى من الفجر شاهدنا تصاعد قوة الجمهوريين مع مرشحهم ترامب وتضاعفت خسارة الديموقراطيين بشكل لافت للنظر، ولكن على اي حال يبقى قول الناخب مع النتيجة هي كلمة الفصل التي تحكم بين المرشحين ترامب وهيلاري رغم الخلافات الكبيرة بينهما من حيث الافكار والحزبية.فالرئيس المنتخب ترامب صدم العالم بتصريحات نارية متكررة والآن بعد ظهور النتائج اصبح سيد البيت الابيض الجديد الذي يفترض ان تترجم اقواله الى افعال. وبالتالي جاء خطابه بعد الفوز هادئاً شيئاً ما، متعهداً للجميع ان يكون رئيساً لكل الأميركيين وان يقيم علاقات طيبة مع دول العالم، ولتصحيح مسار نهجه المتعصب تعهد بان يسعى الى تحقيق السلام وليس البحث عن الازمات من خلال التعايش مع كل الدول طالماً ارادت تلك الدول التعايش معها، وتعهد بان يسعى الى تحقيق الشراكات وليس النزاعات، وهذا ما يؤكد لنا تماماً ان الخطاب الاستفزازي الذي انفرد به ترامب اثناء حملته الانتخابية بدأ بالفعل يتغير نحو الافضل فور اعلان النتائج، وكأنه يريد ان يفتح صفحة جديدة مع العالم. فخطاب النصر كان مختلفاً وكأنه بمثابة رسالة تجديد للحلم الأميركي الذي يتيح الفرصة لكل فرد أميركي بأن يسعى نحو العمل والانجاز.فالرئيس الجديد بين ان لديه خطة اقتصادية كبيرة تساهم في تضاعف النمو لكي تصبح الولايات المتحدة الاقوى في العالم حسب قوله، ويطلب من الجميع ان يعمل معه من اجل مصلحة الوطن والمواطن. صحيح انه لا يملك حنكة سياسية ولكنه كرجل ثري اقتصادي يستطيع ان يحقق نجاحات واسعة على المستوى الاقتصادي. ورغم المخاوف الكبيرة التي لحقت بالشعب الأميركي جراء انتخاب ترامب، إلا أن اليمينيين على مستوى العالم فرحون جداً بفوز شخصية يمينية مثل ترامب لمنصب الرئاسة الأميركية ويعتبرونه فوزاً تاريخياً مستحقاً يصب في مصالحهم العنصرية في تاريخ العالم. وبالتالي اعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الفوز انتصاراً لهم كونه صديقاً حقيقياً لدولة اسرائيل ويمكنه التعاون معه للتخلص من فكرة اقامة دولة فلسطينية!لقد وصل ترامب إلى سدة الحكم وارتدى عباءة الرئاسة، فهل سيعيد الولايات المتحدة الى امجادها؟ هناك كثيرون يعتقدون ان ترامب بطبعه المندفع والمتهور وبتصرفاته الاستفزازية وقلة خبرته السياسية لن يحقق وعوده، الا ان من الممكن ان تتغير اذا اعطى الشعب الأميركي الامل فلا يزال الامل قائماً وهو في اول الطريق، وطالما ان خطاباته العنيفة التي كانت تتسم بمشاعر الاحباط، وانعدام الامن والاستقرار لدى المجتمع الأميركي بدأت تهدأ وتتجه إلى التغيير سنلاحظ بالمقابل ثمارها في المستقبل القريب.الا ان هناك اوساطاً تؤكد احتمال بقاء المشاكل المعقدة التي تواجه الادارة الأميركية منذ زمن بعيد، في حين يطرح ترامب حلولاً من الصعب تطبيقها وتتمثل في اعادة الوظائف التي نقلت الى الخارج، وبناء جدار يعزل الحدود مع المكسيك لمنع الهجرة الجماعية غير المشروعة وطرد ملايين المهاجرين غير الشرعيين، ومنع دخول مهاجرين الى البلاد، وخص فيها كل المسلمين على حد سواء، وهناك احتمال الغائه الاتفاق النووي مع ايران، والغاء مراسيم الرئيس باراك أوباما، والأهم من ذلك كله اعادة التفاوض بالاتفاقات التجارية الدولية.بعد ظهور النتائج التي تدل على انتصار ترامب بدأ بالفعل يصيب المجتمع حالة من الاحباط واليأس، فمثلما خرج الرئيس المنتخب من زوبعة الاتهامات السابقة بالتحرش الجنسي للنساء، حتماً سيخرج ايضا من زوبعة الوعود التي عاهدها على نفسه وستصبح الوعود في أدراج الرياح، فالاحباط الشعوبي الذي طال كل فرد من الشباب الأميركي بدأ يتفاعل عملياً من خلال التظاهر والاعتراض على كل المجريات التي حدثت قبل وبعد الانتخاب الرئاسي، تزامنا مع الحملة الجماهيرية التي أطلقها المعارضون لرئاسة ترامب، بدأت الشوارع تمتلئ بالهتافات المعارضة لنهج الرئيس الجديد تحت مسمى «NOT my President» أو «Go OuT TRAMP/Go to Hell» وهي عبارات لا تعبر عن الرضى الشعبي في هذه المسيرات في كبرى المدن الأميركية رغم دعوة هيلاري الشعب الأميركي الى التهدئة وقبول النتيجة المؤلمة للانتخابات وقبول خسارتها مع ترامب.يحاول ترامب امتصاص غضب الشارع واستيعاب الواقع السياسي للتعامل مع المتظاهرين بروح رياضية مبنية على الحث على توحيد الصفوف عقب اللقاء الهادئ بينه وبين أوباما ليضمن سلاسة الانتقال للسلطة الرئاسية بعيداً عن واقع ثورة الاغنياء على الفقراء التي اشعلت شوارع الولايات كافة طيلة الاسبوع، ولكن يبقى هناك غموض كبير في سياسة ترامب حول الكثير من الملفات الخارجية والداخلية. فالواقع يقول ان سياسته المعروفة بالشدة والعنصرية تجاه الآخرين تهيئ الظروف لنشوب صراعات داخلية وحروب خارجية في حال تنفيذ وعوده السابقة المبنية على سياسة الانغلاق والانعزال، غير ان اوساطاً ديبلوماسية تؤكد ان سياسة واشنطن ثابتة لا تتغير مع اي رئيس يأتي الى البيت الابيض... ولكل حادث حديث.alfairouz61alrai@gmail.com