ما أحلى أن يكون التسامح والإخاء هما منهجنا في الحياة... لقد ضاقت الصدور بما يحدث في العالم من شحناء وبغضاء وقتل وذبح نسمع عنه ونراه على شاشات التلفزيون... وحتى نجعل حياتنا راقية آمنة ومستقرة لا يشوبها الخوف أو الهلع أو النوم بعين واحدة مغمضة والعين الثانية مفتوحة تنظر في خوف من أين يأتي شر المجهول القادم... لأنه عندما يكون هناك شحناء وبغضاء بين الناس لا تعرف من أين يأتي الشر لأن الخير لا وجود له بين المتشاحنين والذين لا يقدرون على التسامح والأخوّة بينهم... لذلك تظل حياتهم مهددة لا طعم لها حتى في الاستمتاع بحلاوة الدنيا... لن يشعروا بهذه المتعة أبداً.الحياة أصبحت مملوءة بالتشاحن والتباغض وعدم الشعور بالأمان... ولكن وجود التسامح والإخاء يجعل للحياة طعما آخر أجمل وأحلى... ويزرع في القلوب الحب... وتغمض العيون مطمئنة لأنه لا وجود للتشاحن أو التباغض.وأتساءل في دهشة: لماذا نجد أنفسنا دائما في خضم بحر هائج من عدم الاستقرار النفسي والذهني نصارع أمواج التشاحن والخلافات بيننا وقد أعطانا الله سبحانه وتعالى صفة التسامح والإخاء... بيدنا أن نخرج من هذه الأمواج المتلاطمة، بل ألا نسقط فيها من البداية إذا كان داخلنا صفة التسامح وصفة الإخاء... أليس هذا غريباً؟ الاختيار سهل جدا وهذا ما أعتقده.قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحجر:(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)وقد حرص الإسلام على نبذ كل ما يخدش الإخوّة، وعلى إقصاء كل ما من شأنه إحداث الخلل والنِّـزاع.ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «دعُوا الناس فليُصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه فلينصح له». رواه الإمام أحمد.لقد خلق الله الإنسان على الفطرة وهي فطرة نقاء القلب وحب الخير والسلام، ولكنه سبحانه وتعالى ترك له حرية الاختيار (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). فالإنسان السوي يختار من الصفات أحلاها والإنسان غير السوي يختار من الصفات أقبحها.وفي رواية: «دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض، وإذا استنصحك أخوك فانصح له».وجاء النهي عن أسباب ضعف هذه الأخوة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام». رواه البخاري ومسلم.لأن البغضاء والكراهية تتنافى مع أخوة المؤمنين، ومما يولد العداوة والبغضاء، ويثير الأحقاد، ويكون سببا في الشحناء. فهذه الأمور من شأنها أن تُضعف بنيان الأخوة القائم على الإيمان. وجاء النهي عن التقاطع وعن فساد ذات البين.والتسامح والإخاء صفتان من صفات المؤمن الحق، فقد أوصانا الله ورسوله على التسامح وان ننسى الأذى لكي نبدأ حياة جديدة خالية من أي حقد فالتسامح هو من صفات رسولنا الكريم ويجب علينا الامتثال به. التسامح ينقي الهواء ويطهر القلب والروح ويجعلنا على صلة بكل شيء مقدس فمن من خلال التسامح نجد أنفسنا مرتبطين بما هو أكبر من أنفسنا ومما هو وراء تصورنا وفهمنا الكامل إنه ليدعونا إلى أن نستشعر الأمن والاستقرار النفسي... نعم... التسامح والإخاء يجعلنا نشعر بالأمان ويجعل الحياة أمامنا حياة وردية لا تشوبها أي شائبة ضارة تنغص حياة الإنسان.إن مبدأ التسامح مبدأ عظيم، لأننا كلنا أهل خطأ، ونحتاج كثيراً إلى من يصفح عنا ويحلم علينا، ليصنع لنا بذلك معروفاً ندين له به أبداً....فكلنا نخطئ، و نذنب، فمن منا لا يخطئ؟ كلنا يحتاج إلى مغفرة... والتسامح يمحو آثار الماضي المؤلم ولا ننسى قول الله سبحانه وتعالى في هذا: «وإن تعفو أقرب للتقوى»..وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك».ولأهمية التسامح والإخاء بين بني البشر فقد نزلت آيات كثيرة تحض على التسامح، فالتسامح يجعل عبء الحياة أقل ثقلا مما هي عليه، ومن منا لا يريد أن تغمض عيناه وهو قرير العين مطمئن القلب؟وقد انتقيت من بعض الآيات الكثيرة التي تحض على التسامح والحب بعضا منها:قال تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، قال تعالى (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يغفر ولا يعير، والناس يعيرون ولا يغفرون) وقال عليه الصلاة والسلام (ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم)، قال صلى الله عليه وسلم: «تحلم على من جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك». وقال عليه الصلاة والسلام «من أتاه أخوه متثقلاً- أي معتذراً- فليقبل ذلك محقاً كان أو مبطلاً».وقد يرى البعض أن التسامح ضعف وانكسار، وأن الصمت هزيمة، لكنهم لا يعرفون أن التسامح يحتاج قوة أكبر من الانتقام، وأن الصمت أقوى من أي كلام. التسامح هو طلب السماح من نفسك والآخرين. القرار بعدم التسامح هو قرار المعاناة، كما أن قوة الحبّ والتسامح في حياتنا يمكن أن تصنع المعجزات. لا يمكن لشيء أن يجعل الظلم عادلا إلّا التسامح. إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.اللهم اجعلنا من العافين عن أخطاء غيرنا، قادرين على التسامح والأخوّة بيننا.