من بين أهم المحاور الاعلامية في الحملات الانتخابية للكثير من النواب السابقين المرشحين للانتخابات المقبلة هو إشغال ناخبي دائرتهم - المتذمرين من أداء المجلس السابق - عن محاسبتهم. وتعتبر المعايير الدينية والأخلاقية الأكثر استغلالاً لتحقيق هذا الهدف، لأن الغالبية المغيبة عن حقيقة العمل السياسي أسيرة ثقافة مجتمعية تحرّم وتقبّح انتقاد السياسيين المتبنين للتوجهات العامة داخل البيت الطائفي - بمذاهبه المختلفة - ولكنها في ذات الوقت نفسه تجيز وتستحسن تجريح السياسيين الآخرين، خصوصاً المقابلين والمعاكسين لتوجهاتهم وإن كانوا من البيت نفسه. فمن جعل باؤكم تجر وباؤنا لا تجر؟الحضارة الانسانية تطورت في كل المجالات شاملا تدابير ترشيد العمل البرلماني من خلال تطوير الرقابة - خصوصا المالية - على النواب. فإلى متى سنكتفي نحن بمظاهر التدين والطيبة ونرفض آليات ثبت نجاحها في كشف مفسدين اشتهروا في مجتمعاتهم بالنزاهة ومحاربة الفساد؟ وإلى متى سنعتد بشهادة انتظام النائب بالصلاة في المساجد عوضا عن كشف ذمته المالية؟لا أدعو هنا للتحرر من القيود الدينية والموجهات الأخلاقية، بل على العكس أدعو للالتزام بها شرط تجنب إساءة استغلالها لإضفاء حالة من القدسية لبعض النواب السابقين، ليس كرها فيهم بل حبا في وطننا وحرصا على مستقبل أجيالنا المقبلة. ولا أطالب بهتك حصانة النواب السابقين في أمورهم وشؤونهم الشخصية، بل على النقيض أطالب بصونها، حالهم كحال أي مواطن، ولكن مع الاصرار على مساءلتهم عن أدائهم البرلماني تماما كما يفترض منهم أن يحاسبوا الوزراء. فإلى متى هذا الخلط بين الخاص والعام في سيرة النواب السابقين؟للأسف، النواب في مجملهم يرفضون الرقابة الشعبية على أدائهم، والشواهد على ذلك كثيرة. فهم الذين تهربوا عن تشريع قوانين تعزز الشفافية والنزاهة في البرلمان رغم أن الكثيرين منهم تعهدوا مراراً العمل لسن قوانين تلزمهم بتقديم ذممهم المالية قبل وبعد كل مرة يتشرفون فيها بتمثيل الأمة. والهيئة العامة لمكافحة الفساد أنشئت ابتداءً بمرسوم ضرورة وليس بمبادرة من الأعضاء. كما أنهم لم يعالجوا تأخر اصدار اللائحة التنفيذية للهيئة العامة لمكافحة الفساد. أليس من واجبنا الوطني أن نحاسب النواب على تقاعسهم عن مكافحة الفساد؟ أليس من الأولى أن نحاسبهم على انشغالهم عن تشريع قوانين تحمي المبلّغين عن حالات الفساد قبل أن نطالب الاصلاحيين بذكر أسماء المفسدين داخل وخارج المجلس؟ ألا ينبغي أن نحاسب النواب على تهاونهم في تنمية حرية تداول المعلومات البرلمانية قبل مطالبة الاصلاحيين بتقديم مستندات تثبت شبهات فساد في المجلس؟كنت من المتفائلين بتوجهات الأمانة العامة لمجلس الأمة عندما أصدرت واجهتها الجديدة قبل 3 سنوات تقريبا على شبكة الإنترنت، حيث كانت بمثابة طفرة أتاحت الحصول على نسخ الكترونية من الوثائق البرلمانية غير السرية. ولكنني اليوم اصبت بإحباط شديد بسبب ما لمسته من تراجع كبير في درجة الشفافية في الواجهة، حيث تم حجب واجهة النظام الآلي للوثائق البرلمانية. لذلك أناشد الجمعية الكويتية لحرية تداول المعلومات بإعداد وثيقة تعرض على المرشحين للتعهد فيها بسن تشريعات تعزز النزاهة والشفافية في البرلمان وفي الكويت، وأنا على يقين بأن الجمعية قادرة على متابعة المتعهدين فور نجاحهم ومساعدتهم فيما تعهدوا به.لو كانت المجالس السابقة تريد أن ترسخ الشفافية في البرلمان، لأعطته الأولوية وأصدرت التشريعات اللازمة له خلال اسبوع مثلما وافقت على مقترح لحرمان من الانتخاب والترشيح كل من أدين بحكم نهائي عن جريمة المساس بالذات الإلهية أو الأنبياء أو الذات الأميرية. ولو كانت الشفافية راسخة في البرلمان لعرفنا من الذي ساهم في رفع الدعم عن أسعار البنزين، ومن منهم لجأ إلى الكذب أو التورية لنفي ضلوعه بالقضية بعدما لمس الغضب الشعبي.من أجل المساهمة في جعل الشفافية من أولويات الناخب في الانتخابات المقبلة، سأعرض باختصار شديد ما لدي في شأن موضوع اسعار البنزين، وهو حصيلة ساعات مطولة من البحث. في تاريخ 26 يناير 2016، قرر مجلس الامة تكليف مكتب المجلس بدراسة الوضع الاقتصادي و«إلغاء الدعوم»، ثم قرر مكتب المجلس تكليف لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالدراسة. وبالطبع الغاء دعم أسعار البنزين كان مشمولا بالتكليف.جاء في إحدى الصحف اليومية، بتاريخ 24 مارس 2016، أن لجنة الشؤون المالية والاقتصادية البرلمانية تحسبا لفرضية رفض مجلس الأمة مشروع الحكومة في شأن شرائح الكهرباء والماء الجديدة، قررت فصل تقريرها بشأنه عن تقرير وثيقة الإصلاح الاقتصادي.وفق وثيقة «تقرير حول عمل لجان المجلس الدائمة والمؤقتة عن شهر ابريل 2016»، فإن لجنة الشؤون المالية والاقتصادية أعدت تقريرها الرقم (22) في شأن الدراسة في تاريخ 7 ابريل 2016. وأما مشروع قانون في شأن تحديد تعرفة وحدتي الكهرباء والماء، فقد صدر تقريره في اليوم نفسه ولكن بالرقم (21).ووفق المادة (43 مكرر) من اللائحة الداخلية لمجلس الامة، فإن من بين اختصاصات لجنة الاولويات مراجعة مشروع جدول أعمال الجلسة واقتراح ما تراه من تعديلات بالتقديم أو التأخير أو الحذف أو الإضافة، فتم طرح التقريرين (21 و 22) في الجلسة التكميلية في يوم الأربَعاء الموافق 13 أبريل 2016، أي خلال اسبوع واحد من اصدار التقريرين.وبعد نقاش مطول في شأن التقرير (21) ومقتضب جدا حول التقرير (22)، أحال المجلس على لجنة الشؤون المالية والاقتصادية، التقرير (22) مع الملاحظات النيابية والتوصيات التي ابديت في شأنها لدراستها خلال اسبوعين ومن ثم إحالتها على الحكومة من دون عرضها على المجلس. بعد اطلاعك على هذه الحقائق، أتساءل هل تغيرت نظرتك لبعض النواب؟ وهل ستعيد انتخابهم؟ وهل عرفت أهمية الشفافية في العمل البرلماني والعملية الديموقراطية؟ «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه»abdnakhi@yahoo.com