يعتبر مؤتمر «أوبك» الاستثنائي في الجزائر، علامة فارقه في تاريخ المنظمة، وبداية لتغير في استراتيجية الاعتماد على ديناميكية السوق لتحقيق هدف استعاده توازن، والتي تم اقرارها في 27 نوفمبر 2014، إلى استراتيجية أخرى لتحقيق الهدف ذاته.وتأتي الاستراتيجية الجديدة بفاعلية أكبر، بالنظر إلى حجم الفائض والمخزون النفطي، وتقوم على أساس تنظيم المعروض في السوق، بهدف استعاده توازن الأسواق، وبالتعاون مع منتجين من خارج «أوبك» مثل روسيا، وربما النرويج وعمان وغيرها، ودعم تعافي لأسعار النفط والتخفيف من حده تذبذبها.ووضع مؤتمر «أوبك» معالم مرحلة جديدة، قُوبلت من المراقبين بأنها تحرك إيجابي، بحيث تحتاج السوق النفطية إلى دور فاعل للمنظمة لضبط المعروض في أسواق النفط.وجاءت استجابة السوق النفطية لتتناسب مع تناغم جديد واعد داخل المنظمة، بما يشجع على إمكانية الحوار الفاعل داخل المنظمة، ويعطي للسوق أجواء التعاون بدلاً من أجواء التنافس، وكل هذا يصب لمصلحة وضوح الرؤية وتقليل الضبابية.ويضمن هذا الأمر للسوق تفعيل دور منظمة «أوبك» لاستعادة التوازن، بالتعاون من منتجين آخرين، خصوصاً وأن المسؤولية جماعية، والفائدة المرجوة جماعية، علماً بأن الوفرة النفطية في أسواق النفط مسؤول عنه المنتجين داخل وخارج المنظمة.ونجح مؤتمر الجزائر في التأكيد أن علاج اختلال ميزان الطلب والعرض في أسواق النفط قد بدأ، وأن معالم الطريق وآلية العمل قد تم رسمها، وأنها تشهد تقدماً فيما قبل مؤتمر «أوبك» في نهاية شهر نوفمبر 2016، بحيث يشهد المؤتمر المقبل، ميلاد اتفاق واضح يسهل على السوق الاسترشاد للمرحلة المقبلة.وارتفع النفط الكويتي إلى أعلى من 45 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ 19 أغسطس الماضي، ما يعود لعدد من التطورات، وأبرزها نجاح المؤتمر الوزاري الاستثنائي للمنظمة، والذي عقد في الجزائر في 28 سبتمبر 2016 بتحديد سقفاً لإنتاج «أوبك» بين 32.5 و33 مليون برميل يومياً، وأعاد للسوق من جديد مفهوم دور المنظمة في تنظيم الإمدادات وبدايات لتناغم بين أعضائها في اتجاه استعادة توازن السوق من جديد، والذي يتوقع في النصف الثاني من عام 2017، نتيجة تقييد المعروض واستمرار تعافي الطلب العالمي على النفط خلال الأشهر المقبلة، وبصوره أكثر وضوحاً لتنفيذ الاتفاق خلال النصف الأول من عام 2017.وعادت بيوت المضاربة والاستثمار للنشاط وسط انطباعات، بجدية اتفاق «أوبك» في زيادة عقودها النفطية في الأسواق الآجلة والاستفادة من الأجواء الإيجابية التي أعقبت مؤتمر «أوبك»، في حين أن التصريحات الإيجابية التي صدرت عن إيران وفنزويلا على مستوى القيادة السياسية، جاءت لتضمن زخماً لمواصلة الجهود لاستقرار الاسواق وتعافي الأسعار، والتفاوض مع الدول من خارج «أوبك» لاستعاده توازن الأسواق من جديد.ويضيف التصريح الوارد عن مجلس الوزراء السعودي أيضاً مصداقية لاتفاق «أوبك»، من خلال تأكيد استمرار العمل لاستقرار الأسواق والأسعار، والتي تصب في مصلحه الجميع، وفي مصلحة الاقتصاد العالمي، وأن السعودية مستعدة للتحرك والتعاون بصورة جماعية مع المنتجين لتحقيق هذا الهدف، وكأن عنوان المرحلة المقبلة هو التحرك الجماعي لاستعاده توازن الأسواق، ويبدأ من اتفاق «أوبك» في الجزائر.وهناك بوادر إيجابية من خلال سحوبات المخزون الأميركي من النفط، وارتفاع واردات الصين من النفط الخام، ويجب ألا نغفل حقيقة وجود التخمة في السوق النفطية، والمتمثلة في مستويات قياسية للمخزون النفطي، واستمرار رفع الإنتاج وفق خطط استراتيجية للمنتجين، وأنها تحتاج إلى وقت لسحبها واستيعابها لاستعاده التوازن.ومن العبث أن تتوقع ارتفاع كبير في أسعار النفط الخام إلى مستوياتها السابقة، وتوقع استمرار نفط خام برنت حول 50 دولاراً للبرميل حتى منتصف العام المقبل على الأقل، وتحقق التوازن.ونرى أن انحسار الفائض هو افتراض معقول وواقعي، بما يعادل 45 دولاراً لبرميل النفط الكويتي للتصدير.وليست الأمور في أسواق النفط من دون مخاطر في ظل تطورات ممكن أن تؤدي إلى رفع الإنتاج مثل تحسن الأوضاع الجيوسياسية، وتعافي إنتاج النفط في ليبيا بالقرب من 500 ألف برميل يومياً حسب التصريحات الرسمية، وإعلان إيران أنها رفعت مبيعاتها من النفط الخام من 2.5 مليون برميل يومياً إلى 2.8 مليون برميل يومياً، بما يعني واقع 300 الف برميل يومياً، ورفع العراق مبيعاته من النفط الخام.ومن المخاطر أيضاً استمرار روسيا في تحقيق مستويات أعلى للإنتاج، إذ ارتفع الإنتاج إلى 11.1 مليون برميل يومياً في شهر سبتمبر 2016، مقابل 10.7 مليون برميل يوميا في شهر أغسطس 2016، أي بزيادة مقدارها 400 ألف برميل يومياً، ما سيؤدي إلى زيادة في التخمة.* خبير ومحلل نفطي
اقتصاد
عين على السوق
مؤتمر الجزائر... وتغيّر «أوبك» الإيجابي
09:32 ص