إنَّ الخوض في التفاصيل وتوصيف الحالات السيكولوجية، التي يختبرها المرءُ من خلال تفاعله مع مؤثرات خارجية وما تحدثه المؤثرات تلك على سلوكياته ورؤيته للآخر من الموضوعات التي تَنْهَضُ عليها الفنون السردية وعلى وجه الخصوص الروائي... إذ يعترف سيمغوند فرويد بأنّه كلما أراد تشخيص مشكلة نفسية لدى الإنسان وجد بأن دويستوفسكي قد سبقه في ذلك.وهذا الأَمرُ يُبينُ بأنَّ الروائي يحتاجُ إلى معرفة دقيقة بسرائر نَفْسية الإنسان عندما يشرعُ بترسيم شخصيات عمله وتصوير أبعادها النفسية والاجتماعية والبنية الجسمانية. تختار الكاتبة والروائية اللبنانية مايا الحاج، البعد النفسي في شخصية بطلة روايتها «بوركيني» من منشورات الضفاف - الجزائر، بيروت، منطلقاً لِمُقاربة جملة من القضايا المُرتبطة بالواقع الإنساني، حيثُ تتناول الرواية حياة فنانة ترعرتْ في بيئة خالية من الإكراهات الدينية والسياسية والاجتماعية، فهي تُشَكِلُ مع شقيقتيها ثلاثية في فن الرسم والشعر والموسيقى، فهي قد راق لها الفن التشكيلي وبات لها مُحترف تنهمكُ فيه على رسم لوحاتها الفنية ولا تُخفي رغبتها من أن تكون شخصيتها كفنانة تطغى على جانبها الأُنثوي، إذ تُباغتُ الأهل بقرار ارتداء الحجاب وهي طالبة في كلية الفنون، كما لا يعجب أصدقاؤها هذا التحول في شكلها، من هنا تبدأُ إشكالية الهوية لدى هذه الشخصية إذ تصفحُ عما تشعر به من الازدواجية في شخصيتها وهذا مايتجسدُ أكثر في أعمالها وتقديم نساء لوحاتها بِطريقةِ غير مُحْتَشِمةِ إذ تلبي هؤلاء النسوة العاريات الملفعات بالظلال ما تتمناه في قرارة نفسها من أن تتحرر من ثقل ملبسها المحتشم.لا يملك المتلقي من دون أن يبحثَ شفيرة هذا التناقض في شخصية البطلة لماذا اختارت الحجاب طالما تعتقدُ بأنَّ هذه الطريقة في الملبس تسلب المرأة جمالها ويطوقها ويطمر هويتها الأُنثوية؟ هنا تُحاول البطلة إقناع المتلقي بأن مرد قرارها هو رغبتها بأن تكون شخصية مميزة وغير متوقعة، لكن ربما هذا التفسير لا يكفي لفهم هذا التصرف بل تستشف في طبيعة العلاقة القائمة بين والديها أسباب مدلول قرار الفنانة المتحررة إذ ان أمها تظهر بكامل أناقتها سواء أكانت في البيت أو خارجها وذلك لكي تكبح جماح زوجها ولايُفكر في غيرها غير أنَّ اهتمام الأم بنفسها وجمالها الجسدي لم يمنع زوجها من الاستمرار في إقامة العلاقات الغرامية، لذلك تحاول الشخصية الأساسية أن يكون كيانها الإنساني مستقلاً من كل الاعتبارات والمُتعلقات الخارجية، بعدما تكتشف أن كل ماتعمله أمها لا يجدي نفعا لاستئثار بالزوج. إذ تمرُ عليك عبارات واستشهادات بما تؤكد بأن ما يهم الرجل في شخصية المرأة هو الجانب الذي يُشبع رغباته الغريزية كما تردُ الإشارات حول تحول جسد المرأة إلى مادة استهلاكية، وتضع أيضا الساردة ماراج من الإسراف بالتجميل لدى النساء في السياق نفسه.وهذا لا يعني أن البطلة تستهين بالجسد أو تعتبرها قيدا على جوهر الإنسان بل احتجاجها على بعض المظاهر ليس إلا محاولة للحفاظ على الغموض الكامن في جسد الأنثى فمن دونه يفقدُ رمزيته، وذلك ما يحلينا إلى تصور بول أوستر للجسد الأنثوي إذ يعتقد مؤلف «اختراع العزلة» بأنَّ أجمل المكان الذي تدور عنه لاتجده إلا في جسد المرأة.يفسرُ الفيلسوف الأميركي لويس ممفورد، اهتمام الإنسان بصورته في المرآة بأنّه نتيجة لشعور الإنسان بشخصيته المستقلة وإدراكه لصفاته وذاتيته. لا تعود البطلة إلى ذاتها ولا تجد رغبة في رؤية نفسها في المرآة إلا بعدما تصادف مع حبيبها المحامي في المقهى وجود المرأة التي كانت على علاقة مع الأخير. وتلك المرأة تثير غيرتها بمظهرها الجذاب وشكلها المثير، فأمامها تشعر بأنها أقل منها خصوصا عندما تلاحظ تواصلا بصرياً بين حبيبها مع هذه المرأة التي تلعبُ دور المعارضة في الفضاء السردي، وفقاً لترتيب إتيان سوريو، للمواقع التي تحتلها الشخصية.كما أن الساردة تتقمصُ دور الممثلة كونها فاعلةً في تحريك مسارات السرد، بجانب ذلك فإن شخصية المحامي تُمثلُ ما يسميه سوريو، بالقوة الجاذبة بالنسبة إلى شخصيتين أُخريين، وذلك ما يؤدي إلى ازدياد حدة الصراع على المستويين، الصراع الداخلي لدى البطلة من جانب وصراعها مع غريمها من جانب آخر، إذ تنقلب شخصية الفنانة تتفحصُ وجهها في المرايا كما تراودها فكرة التخلي عن الحجاب ما يعني الاستسلام للآخر والتنكر لهويتها الذاتية. ومن ثُمَّ تذكرُ العوامل التي رفدت معتقداتها الدينية إذ وقعت في ذلك تحت تأثير ماروته لها جدتُها من سيرة الأنبياء والأولياء، فمشهد جدتها وهي تصلي بثوبها الأبيض الخاص ألهمها فكرة الرسم. من هنا يتعرف المتلقي على خلفية الشخصية الدينية كما يطول العملُ مسائل ميتافيزيقية، إذ تؤكدُ الشخصية الرئيسية على أنَّ أسئلتها لا تعني زعزعة قناعتها الدينية كما أن تدينها لا يمنعها من مصادقة فتاة شيوعية، فالأخيرة دعت الفنانة لسهرة أقامتها السفارة الكوبية. فتلك الفتاةُ أذهلت الحضور برقصتها ورشاقة حركة جسدها ما يوقد شرارة المخيلة والتصورات لدى البطلة حول ما يشعرُ به خطيب صديقتها عندما يراها بحضورها الطاغي على خشبة المسرح، فهي سبق لها أن تخيلت ما يدور في ذهن حبيبها عندما التقى بالمرأة الخصمة، فالتخييل حول ما يتصوره الآخر جزء من تركيبة شخصية الفنانة هي تمتلك فراسة في قراءة الوجه كون هذا الجزء في الجسد وسيلة للغواية على حد قول غاستون باشلار.فضلا عن ذلك، فإن لفظ العنوان بحد ذاته كان غير مألوف قبل اللغط الذي قد أثاره قرار حظره في فرنسا. زيادة على ذلك فأن هذه الرواية تتضمن أسماء الرسامين وعناوين لوحاتهم ما يمنح السردَ قوة إقناعية بحيثُ لا يساور القارئ الشكُ في مهنة الساردة، بجانب شخصية الساردة التي توظف ضمير المتكلم يتوقف العمل عند شخصيات أخرى إذ وفقت الكاتبة في إسناد دور المساعد إليها. كما نجحت في تعامل مع عنصر الزمن اذ أعطته زخماً وكثافة يتوزع هذا العمل على سبعة أقسام وذاك الرقم ُمطابق لسبعة الأيام التي تفصل البطلة عن موعد إقامة معرضها من لحظة لقائها بحبيبها. تنتهي الرواية نهاية مفتوحة ملاءمة مع قلق البطلة وسؤالها عن المصير.
محليات - ثقافة
«بوركيني» مايا الحاج والهوية الملتبسة
غلاف «بوركيني»
09:40 ص