قبل ثلاثة أيام من موعد الجولة الجديدة للحوار الوطني في لبنان، تدخل الأزمة السياسية الداخلية مرحلة جديدة من التعقيدات وربما تندفع أيضاً نحو فصول تصعيدية بما يزيد الأثقال والتداعيات المحتملة على واقعٍ سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي صعب يعيشه اللبنانيون ولا تتراءى له أيّ أفق انفراج.اذ ان الخامس من سبتمبر الجاري، موعد الجولة المقبلة للحوار، باتت بدورها موضع شكوكٍ بعدما تصاعدت في الساعات الأخيرة التلميحات بمقاطعتها من جانب «التيار الوطني الحر» (يقوده العماد ميشال عون) الذي يتجه قدماً نحو تصعيد خطواته على مساريْ مواجهة الحكومة والتهديد بالخروج من الحوار الذي يستضيفه رئيس البرلمان نبيه بري.وبدا لافتاً ان التهديد بمقاطعة الحوار جاء عقب الخطاب الذي ألقاه بري مساء أول من أمس، في المهرجان الحاشد الذي أقامته حركة «أمل» في صور لمناسبة الذكرى الـ 38 لتغييب الامام موسى الصدر والذي أطلق عبره رئيس البرلمان مجموعة رسائل سياسية مبطّنة اعتُبر بعضها موجهاً الى تيار عون وبعضها الآخر الى تيار «المستقبل» الذي يتزعّمه الرئيس سعد الحريري، ملوّحاً بالشارع وباللجوء الى «قوة الناس لمواجهة القوى التي تواصل الانقلاب على مختلف العناوين السياسية»، ومحذّراً من التمادي «في لعبة حرْق الوقت، وبناء الأوهام في المراهنة على الخارج في حل القضايا الوطنية»، مع تأكيده «مازلت أرى ان بناء الثقة في العلاقات السعودية - الإيرانية تقدّم اسهاماً ضرورياً في إنتاج سلام لبنان وسائر الأقطار العربية المضطربة». واذ شدّد بري على «ان العبور إلى الدولة يستدعي وقف الدلع السياسي، واعتقاد كل طرف منّا ومن دون استثناء انه يملك القرار الوطني أو الفيتو على القرار الوطني»، طالب «بوقف العبث السياسي والتزام الدستور، ووقف تعطيل المؤسسات».لكن أوساطاً سياسية واسعة الاطلاع أكدت لـ «الراي» ان «خطاب بري وإن يكن أزعج التيار الحر لجهة إعادة طرْحه شرط التوصل الى سلة التوافق على ثلاثة بنود متلازمة لحلّ الأزمة الرئاسية، هي انتخاب رئيس الجمهورية وقانون الانتخاب الجديد والحكومة المقبلة، فإنه لم يكن أصلاً المسبِّب للتصعيد الذي يتجه اليه عون ولو شكّل رافعةً تبريرية له».ذلك ان التيار سبق له ان لوّح بالتصعيد الذي قد يشمل مقاطعة الحوار حين غاب وزيراه عن الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء الأسبوع الماضي. ولم يقتنع عون بالمساعي التي بذلها بري ومعه «حزب الله» ايضاً والتي ادت الى انعقاد الجلسة ولكن مع استبعاد البنود المهمة من جدول الأعمال احتراماً لغياب وزراء التيار.وأعطى عون دليلاً اضافياً على مضيّه نحو التصعيد حين قرر «تكتل التغيير والاصلاح» (كتلته البرلمانية) في اجتماعه الثلاثاء الماضي برئاسته تقديم طعن الى مجلس شورى الدولة بالقرارات التي أصدرتها الحكومة في جلستها التي قاطعها بحجة افتقار هذه الجلسة الى الشرط الميثاقي الذي يَعتبر التيار انه صار مفقوداً بالكامل بفعل مقاطعته من جهة واستقالة حزب الكتائب من الحكومة وعدم مشاركة «القوات اللبنانية» فيها اساساً، اي بغياب المكونات المسيحية الأكثر تمثيلاً عن الحكومة.وكشفت الاوساط ان المشاورات تكثفت بين التيار العوني وحزب «القوات اللبنانية» في الساعات الأخيرة بما يشي بأن عون يسعى الى انتزاع موافقة «القوات» على التحرك التصعيدي الذي يزمع المضي به في الأيام المقبلة.ورُصدت في هذا السياق زيارة مسؤول الاعلام والتواصل في «القوات اللبنانية» ملحم رياشي موفداً من رئيس الحزب سمير جعجع للعماد عون مساء الاربعاء في حضور النائب العوني ابراهيم كنعان.وفيما يبدو ان «التيار الحر» يحاول تحصين خاصرته المسيحية قبل الشروع في الخطوات المقبلة، تقول الأوساط ان موقف «القوات» كان حتى الآن متحفظاً عن المواجهة التي يخوضها عون ضد التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي كما عن التحريك العوني المحتمل للشارع.وتعتقد الاوساط نفسها ان «التيار الحر» لم يفاجأ بخطاب بري الذي لم يهاجمه مباشرة ولا مداورة بل هو يرغب في توظيف الربط الواضح الذي أقامه بري بين انتخاب رئيس الجمهورية والتوصل الى توافق على قانون انتخاب وحكومة جديديْن في معركة التيار التي تركّز على ما يسمى الرئيس الميثاقي الذي يمثّله العماد عون وفق أدبيات وشروط الفريق العوني. وهي النقطة التي لوّح عبرها الى احتمال توقفه عن المشاركة في الحوار، الأمر الذي يعني ان تصعيد الفريق العوني قد يضع الحكومة والمتحاورين سواء بسواء امام احتمال تعطيل مزدوج من شأنه ان ينقل الأزمة الى متاهة جديدة خلال شهر سبتمبر.وتشير الاوساط الى ان الساعات والأيام المقبلة ستشهد محاولات كثيفة في مسعى لتجنُّب بلوغ هذه المتاهة، علماً ان بعض الاعلام الوثيق الصلة بالفريق العوني بدأ امس، التلميح الى امكان تحويل الحكومة الى حكومة تصريف أعمال بما يضمر إمكان تسديد ضربة لرئيس الحكومة تمام سلام قبيل استعداده للسفر في الثلث الأخير من سبتمبر الى نيويورك للمشاركة في افتتاح الدورة العادية للأمم المتحدة.