الكاتب والمفكر الليبي (الصادق النيهوم) رحمه الله الذي أحب الوطن العربي حتى تفاءل، ورغم ذلك رماه الجميع بالخيانة والعمالة حتى مات، يقول في مقال كتبه العام 1967 بعنوان «ضعوا أيديكم في يد الله»، والذي كتبه بمناسبة الحرب على إسرائيل وموقف دول الخليج وليبيا الذين قطعوا البترول عن الغرب وصراخ دول أوروبا ان ذلك ليس من الحكمة، «في الواقع إن حكومة ليبيا لن تواجه من المتاعب في إطعام شعبها ما سيواجهه ويلسون الشجاع في إطعام المسخ البريطاني وعجائزه الذين تعودوا معاطف الفراء والأهداب الصناعية... وحكومة الكويت لن تواجه أزمة إطعام شعبها الصغير بثمار البلح ولكن جونسون الشجاع سيغرق حتى أذنيه في الأزمات كي يدبر طعام أصدقائه في مدن ألمانيا المزدحمة»...ويقول أيضاً «الحقيقة المدهشة أن الشعب العربي بأسره من الخليج إلى المحيط لا يستهلك من الطعام والأقمشة بقدر ما تستهلك ألمانيا الغربية وحدها».لقد كان الصادق النيهوم متفائلاً جداً وفكرة مقالته هي أن دول الغرب ستتضرر من وقف بيع البترول لها وأن الدول العربية (مو فارقه معاها) لأن شعوبها اعتادت التقشف والصبر، ولا مانع لدى الأمهات من أن يطبخوا الأحجار لأبنائهن حتى يناموا ويأكوا الخبز واللحم في الحلم.واسمح لي أيها الليبي أن أقول لك بالكويتي (إنت من صجك؟)لقد كان ذلك في الستينات أيها النيهوم قبل أن تغزونا العولمة والحداثة وفكرة متوسط دخل الفرد وتصبح منارات المطاعم الغربية أعلى من منارات المساجد العتيقة، فاليوم الوضع مختلف تماماً. إنه وضع يجعلك تتشاءم في قبرك حتى آخر عظمة متبقية منك.فبلدك ليبيا نفسها قد سمح من فيها لدول أوروبا أن تدخلها من أجل البترول، ومن أجل أن يوزع عليهم بالتساوي ليعيشوا حياة أكثر رفاهية، ورغم ذلك فهو لم يوزع بينهم بل وزع على دول أوروبا التي كل همها أن تطول الأزمة في سورية من أجل مزيد من (المص والحلب) في ليبيا، ونحن في الخليج أصبحنا نستهلك أكثر من استهلاك قارة أفريقيا وأميركا اللاتينية، وأصبحنا الأكثر إنفاقاً في بريطانيا ونشتري بيوتاً في النمسا وتركيا وألمانيا... نحن نصدر البترول وهم يصدرون لنا الاستهلاك والأسحلة والفتن، وإذا فكرت أي حكومة في أن تمانع أو تقاوم مما قد يؤدي إلى حصار اقتصادي فإن شعوبها أول من سيثور عليها.لقد تغير الوضع كثيراً أيها النيهوم... فلم يعد أحد منا يقبل أن يعيش على ثمار البلح أو حتى ثمار المانجا، وأصبحنا ننافس عجائز لندن وفرنسا في ارتداء الفرو ورش أجود العطور، ولبس أحدث الماركات وركوب أغلى السيارات وشراء أحدث الكاميرات، ونعمل على استخراج البترول من أجل ضمان دوران كرة الروليت... ليس في الخليج فقط بل وفي دول الوطن العربي الذي أثبتت الثورات فيه أن الخلل لم يكن في الأنظمة فقط بل وفي المثقفين والحقوقيين والأحزاب والعلمانيين والإسلاميين وزوار السفارات وزوار الكهوف.حتى «داعش» الذي يدعي أنه وضع يده في يد الله فإن أول ما حرص عليه هو وضع يده على آبار البترول والقطع الأثرية التي باعتها بالدولار، «داعش» الذي هو على استعداد أن يبيع رؤوس أمة بأكملها من أجل أن يبني منها منابر تدعي أنها لتوحيد الله، ثم بعد ذلك يبيع تلك المنابر حتى لو اعتلتها عمامة في مزاد دولي.في الواقع أيها النيهوم نحن لم تعد لدينا يد لنضعها في أي شيء، ولكن أصبح لدينا هواتف ذكية نشاهد فيها الجميع يذبح الجميع ثم نضعها على الشاحن... فهل تحب أن تجرب واحداً لعلك تغض الطرف عن موضوع المقاومة هذا؟فاليوم أيها النيهوم أصبحنا نرى على الشاشة دولاً كبيرة إسلامية وعربية تضع يدها (بالخمس) في يد القادة الإسرائيليين، وتعاونا روسيا وتركيا وأميركيا وإيرانيا على جبهة واحدة للقضاء على حضارة كاملة، حتى أن الصليب الأحمر كاد أن (يشق هدومه) حيث قال إن مدن سورية هي الأكثر تدميراً في حروب العصر الحديث، فأين تريدنا أيها النيهوم أن نضع أيدينا...!!أيها الصادق النيهوم، رحمك الله ورحمنا، لم تعد لنا يد لنضعها على أي شيء، وأصبحنا نستخدم أيدينا لنرمي بعصنا بعضا بالحجارة، بينما الحجر الوحيد الذي يذهب بالاتجاه الصحيح هو الحجر الفلسطيني (الشعبي) وليس السياسي، لذلك دعنا وما نحن فيه لأنك خائن وعميل وتريد أن ترجعنا للوراء، تماماً مثلما قيل لك سابقاً... وتماماً مثلما سيقال لأمثالك الآن، فالتطبيع قادم قادم قادم... فهل تمانع؟كاتب كويتيmoh1alatwan@