في أول زيارة لي لأهرامات الجيزة كنت صغيراً خائفاً من أن تصيبني لعنة الفراعنة، وعندما أبديت مخاوفي للمرشد السياحي الذي قرأ كل التاريخ الفرعوني، وهو التاريخ المطبوع في مطابع أوروبية وبأسماء مؤلفين خواجات ليس من بينهم مصري واحد (كما زعم وقتها بكل فخر)، ثم أضاف بكل ثقة (لعنة الفراعنة لا تصيب إلا الذين يسرقون ممتلكاتهم، أو من يفتح قبورهم).فشعرت بالارتياح وقلت في نفسي (أنا لست لصاً ولست فاتح قبور ولكني زائر ولذلك فاللعنة لن تصيبني)، ولكن رغم ذلك فقد ظلت لعنة الفراعنة لغزاً كبيراً بالنسبة لي.ولكن عندما كبرت قررت أن أزور الأهرامات مرة أخرى، ولكن من دون مرشد سياحي، وفي التاكسي قال لي السائق (زي ما إنت شايف كده يا أستاذ.. المجتمع الذي بنى الأهرامات أصبح هرماً، وطبقات مجتمعه لا تختلف عن شكل أهراماته، ففي القاعدة الفلاح الأسمر والموظف المسكين وسائق التاكسي اللي زي حلاتي، وفي قمته.. لعنة الفراعنة)، ورغم أن الموقف كان يستدعي البكاء إلا أني انفجرت من الضحك، وطلبت منه أن يحدثني عن لعنة الفراعنة أكثر، ولا أدري لماذا شعرت في لحظة أن همومنا مشتركة.. وطن عربي كبير بلغة واحدة وتاريخ واحد وعادات وتقاليد مشتركة.. ولعنة واحدة.وسرعان ما أخذ سائق التاكسي وضعية مؤرخ مثل (الجبرتي) لكي يعطي تفسيره وتحليله شرعية ثقافية لا يتقنها إلا سائق مارس هذا الدور طوال عشرين عاماً، ورغم أنه كان كالطود العظيم بجسده حيث إنه كان مترامي الأطراف بثقله على كرسي السيارة الذي ترهل من جوانبه، وهذه أسباب كفيلة بجعله يفقد أي رغبة في الحديث في جو صيفي حار، إلا أنه استرسل قائلاً (لا يوجد ما يسمى لعنة الفراعنة، ولكن يوجد (بركة الفراعنة)!!.. فجميع الأوروبيين الذين سرقوا آثاراً ونهبوا تحفاً وفتحوا قبور الفراعنة، بل سرقوا الفرعون نفسه، ها هم الآن يقفون أمام الأهرامات ويركبون الجمال والنوق والحمير والبغال، ورغم ذلك فلم تصبهم اللعنة بل أصابتهم البركة، وأصبحوا سياحاً في أرض الفراعنة أنفسهم، وحتى لو كان هناك ما يسمى (لعنة الفراعنة) فبالتأكيد أنها لم تصب من سرقوا الآثار ونهبوا خيرات البلد من خلال الاستعمار أو غيره، ولكن تصيب السكان الأصليين فقط).إلى هنا انتهت رحلتي مع هذا السائق خفيف الظل ثقيل الجسد والذي لم أرَ في حياتي كلها بنياناً إنسانياً يشبه بنيانه... (ما شاء الله تبارك الرحمن).وصدقني عزيزي القارئ ليس لدي هنا أدنى رغبة في أن أبدو لك ممن يتدخلون في خصوصيات أي بلد أو تاريخه، ولكنني بدأت أتخوف من فكرة أننا هنا بدأنا ننتقل مجتمعياً نحو سياسة هرمية ربما يراها البعض ضرورة بسبب الأزمة ويراها الآخرون مبالغاً فيها بسبب الأزمة أيضاً.. وأنا مع القوم الآخرين.وما جعلني أهتم بتدوين هذه القصة هو أنني لاحظت أننا نسير نحو هندسة هرمية بدأت بفن (التحنيط) سواءً في قضايا الإسكان أو التعليم أو الزحمة المرورية والعلاج في قسم الطوارئ بأي مستشفى حكومي، وانتهت بأن اللعنات تورد لنا للداخل في شكل تصاريح أو أخبار عن تصاريح قادمة أو أخبار عن جس نبض الشارع من خلال إطلاق تصاريح كاذبة، ثم نكتشف أنها قادمة أيضاً، بينما تصدر البركات للخارج بأشكال مختلفة... و(خوفو) و(خفرع) يسرحان ويمرحان ويتنافسان.. بينما الشعب يعيش حالة (منقرع) وقريباً جداً سنبني الهرم الرابع (من فلس).وبالله عليك عزيزي القارئ انظر إلى صورتي في المقال وقل لي (أليس وجهي في الصورة قد بدأت تظهر عليه ملامح المومياء؟).ولذلك هل أجد عندك تابوتاً رخامياً سلفاً؟ فإذا كانت إجابتك بنعم، فضعني فيه وأيقظني في خطة التنمية المقبلة أو بعد نتائج التقشفات الحالية، ولكن أرجوك لا تبني علي هرماً ولكن ابني علي مسلة واكتب عليها بالهيروغليفية (يرقد هنا مواطن أحب وطنه من طرف واحد).وأتساءل بيني وبين نفسي وأنا أكتب هذا المقال (ما الذي أريد أن أقوله بالتحديد؟ هل أريد أن أقول إننا في الكويت نريد أن نستورد (هرم سقارة) بدلاً من (هرم ماسلو)، ونسقطه على طبقات المجتمع الذي يحلم بالمساواة؟ أم تراني أريد أن أقول إن اللصوص في كل مكان هم من ينعمون ببركة الفراعنة، والبسطاء من تصيبهم لعنتها؟ أو لعلي لا أريد أن أقول شيئاً سوى أن أملأ هذا العمود بالكلمات، تماماً كما تم ملء حياتك أيها القارئ بالوعود المليئة بالفراغ؟)، ككاتب لست مهتماً بالإجابة عن هذه الأسئلة.. كما أنك أيضاً كقارئ لست مهتماً بقراءة هذا المقال أصلاً..كاتب كويتيmoh1alatwan@