في مقال سابق، حذرت من تبعات اتفاقية باريس - في شأن تغير المناخ - على مستقبل الوقود الأحفوري في اسواق الطاقة العالمية، وأشرت إلى أن هذه الاتفاقية ستشكل عوائق - تنمو مع مرور السنوات - أمام استهلاك الوقود الاحفوري، وتباعاً سيتأثر الطلب العالمي للنفط الخام وأسعاره، وبالتالي ستنخفض إيرادات الدولة. واليوم، سأجدد ذات التحذير بعد ما ظهرت مؤشرات أقوى على التوجه العالمي المتنامي نحو تقليل وتقييد استهلاك الوقود الأحفوري ومشتقاته. ولا أعتبر نفسي مبالغاً إذا قلت إنه قد تكون للاتفاقية تبعات كارثية على اقتصادنا، تقارب تلك التي نتجت عن الغزو البعثي قبل 26 سنة.الفقرة الرقم (21) من قرار اعتماد اتفاقية باريس - في شأن تغير المناخ - تنص صراحة على دعوة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن تقدم تقريراً خاصاً في العام 2018 عن آثار الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية وعن المسارات العالمية ذات الصلة لانبعاث الغازات الدفيئة. وفي اجتماعها الأخير في ابريل الماضي، قبلت الهيئة الحكومية الدولية الدعوة، على أن يعقد الاجتماع الاول للفريق المعني بإعداد التقرير الخاص في منتصف اغسطس الجاري.الجدير بالذكر، أن الهيئة الحكومية الدولية مسؤولة عن استقصاء الرأي العلمي وتوفيره للدول الاطراف في الاتفاقية، للاسترشاد به في اتخاذ القرارات وتنفيذها. فإذا خلص تقريرها المنظور إلى امكانية ابقاء الاحترار العالمي تحت سقف 1.5 درجة مئوية من دون الاضرار بالأولويات الاخرى وفي مقدمتها التنمية المستدامة، فإن ذلك سيشكل ضغطاً إضافياً على الدول من أجل الالتزام بهذا السقف عوضا عن الدرجتين المئويتين وفق اتفاقية باريس. وهذا سيكون - بنسبة كبيرة - على حساب الاستهلاك العالمي للوقود الأحفوري وتباعاً اسعاره في الاسواق العالمية. أي أن نتائج هذا التقرير قد تتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد الكويتي بسبب اعتماده الكبير على تصدير النفط الخام.لا بد من الاشارة إلى أنني من الملتزمين حماية البيئة ومن المتخصصين في تقييم استراتيجيات تخفيف انبعاث الغازات الدفيئة في محطات انتاج الكهرباء، إلا أنني من جهة أخرى، أخشى أننا كدولة سنتجاهل طويلاً التوجهات العالمية المستجدة، وأتوجس من أننا سنتأخر كثيرا في الاستجابة لتلك المستجدات والتكيف معها. فالغرض من مقالي هو دعوة المعنيين إلى تكييف اقتصادنا الوطني مع التحول العالمي نحو اقتصاديات منخفضة الكربون.هناك مؤشرات عديدة تؤكد تغير انماط استهلاك الطاقة في العديد من القطاعات ومن بينها السيارات. فقد نشر موقع «سي إن إن» الإخباري خبراً مفاده بأن شركة سيارات «تسلا» الكهربائية قد بدأت في بناء مصنع ضخم لتصنيع بطاريات «ليثيوم» بغرض تقليل تكلفة سياراتها بنحو 30 في المئة. ومن المقرر الانتهاء من بناء المشروع بحلول العام 2020، في حينها تتوقع الشركة أن يبلغ انتاجها السنوي 1،5 مليون سيارة. هذا التحول المتسارع نحو الطاقات المتجددة في صناعة السيارات والصناعات الاخرى سيكون له أثر متعاظم على الطلب العالمي للوقود الأحفوري.في الواقع المشكلة أسوأ مما تبدو، لأن في الجانب المقابل للطلب على الوقود الأحفوري ومشتقاته - أي في جانب العرض - نجد أيضا بأن الوضع يدفع نحو انخفاض سعر النفط الخام. فعلى سبيل المثال، نشرت وكالة «رويترز» الاخبارية تصريحا للمدير التنفيذي لشركة (Pioneer Natural Resources) مفاده بأن تقنيات التكسير الهيدروليكي المطورة ساعدتهم في تخفيض تكلفة انتاج النفط غير التقليدي، حيث إنها هبطت إلى ما يقارب الدولارين للبرميل في بعض الحقول، أي ما يقارب تكلفة انتاج النفط التقليدي في السعودية، وهو بالتأكيد أقل من تكلفة انتاج النفط الكويتي.لذلك قررت أن أخصص مقال هذا الاسبوع لتنبيه حكومتنا من الخطر القادم نحو اقتصادنا المرتكز على مبيعات النفط الخام. ولكنني تفاجأت بأن الخبير النفطي الدكتور عبدالسميع بهبهاني، قد سبقني بسنة ونصف السنة، في تحذير الحكومة بأن كلفة برميل النفط الصخري أقل بكثير مما كنا نعتقد في حينه. حيث أكد في تصريحه لوكالة «كونا» في 18 ديسمبر 2014 بأن كلفته تراوح بين 20 و 30 دولاراً للبرميل آنذاك. وهنا أتساءل: ماذا فعلت الحكومة حتى اليوم من أجل فك ارتباط اقتصادنا بسعر النفط؟ وماذا عن دور مجلس الأمة في علاج هشاشة اقتصادنا؟يبدو أن المشكلة في المجلس أعمق، فوفق تصريحات عدد من النواب، أنهم صوتوا لمصلحة إحالة وثيقة الاصلاح الاقتصادي على الحكومة من دون دراية كاملة. والأغرب أنه في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، تقدم أحد النواب باقتراح برغبة لتقليل عدد أيام العمل في الاسبوع لكل مؤسسات الدولة والجهات الحكومية. الظاهر أن البرلمان هو بذاته خطر يهدد اقتصادنا الوطني.في رأيي الشخصي، المسؤولية تقع اليوم على سعادة الامين العام للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية الدكتور خالد مهدي بصفته. لذلك أناشده أن يشكل لجاناً عليا لدراسة وتقييم المبادرات التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على تصدير النفط والعمل على إدراج المناسب منها في الخطط الاستراتيجية للدولة. وأخص بالذكر مبادرة «الكويت عاصمة النفط في العالم» التي تهدف إلى تخفيض بيع النفط الاسود كسلعة والتوجه نحو الخيار الذهبي المتمثل في استغلاله كمادة خام في الصناعات النفطية ذات المردود الأعلى والأسواق المزدهرة المتنامية. فأدعو الدكتور إلى تشكيل لجنة لتقييم المبادرة، تضم مبادرين ومتخصصين في التخطيط والتنمية من الأمانة وخبراء نفطيين وممثلين عن الجهات الحكومية المعنية بالاقتصاد الوطني وممثلين عن غرفة تجارة وصناعة الكويت... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
إلى الدكتور خالد مهدي
05:05 م