دائماً أقول: النحو رياضيات لغوية. ومعادلات جبرية. ونظريات هندسية لها براهينها. ولكل لغة نحوها الخاص. ولا توجد لغة إنسانية منفلتة من ضوابط النحو. فعلماء اللغات البدائية يقررون أن لغات الأفارقة البدائيين في الغابات التي لم تطأها أقدام المتمدنين المعاصرين لها قواعدها ونحوها المتوارث. بل حتى الحيوانات والطيور وكثير من الكائنات البحرية لها لغتها ونحوها للتخاطب والتنبيه والتحذير والإثارة الجنسية وقت مواسم التزاوج... منها ما يعبر بألوان ريشه كالطاووس، أو بعبير أعضائه الجنسية، كالغزال، أو بالإشارات الكهربائية المضيئة كما في أعماق عالم المحيطات.ومن أشهر (علماء اللغات البحرية): الدلفين! وهناك لغة النمل والنحل... وقد أظهر العلماء وجود معجم لهذه الحيوانات وأسلوب تراسل غريزي، خصوصا في عالم الدلفين. لكن الإنسان هو عبقريُّ اللغات في هذا الكون؛ تمتمَ، وغَمْغمَ، وحاكى مظاهر الطبيعة الحية والجامدة، حتى تشكّلتْ أبجديته من بدائيتها، إلى عبقرية تجريدها. وكان النحو طاقة كامنة في ثناياها وأداة عقلية باهرة. تلك الأداة - وأتحدث عن لغتنا - تعرّضت وتتعرض، منذ عهود وعقود، للتهجم والإدانة، ولاتهامها بالصعوبة والتمحُّل والتقعُّر...والمناداة بعدم ضرورة النحو!فقديماً هاجم الفصحاء العرب الفطريون فلسفات أو تفلسفات النحاة، وبخاصة بعد دخول الدرس النحوي متاهات علم المنطق، والجدل، وعلم الكلام، وتشقيق أبواب النحو بين المدارس المتنافسة، كالكوفة والبصرة... وكذلك دخول الأعاجم ميدان الدراسات النحوية. وقد كان لهم الفضل في التنظير والتقعيد بما لا ينكره إلا جاحد أو جاهل.قال أبو حنيفة النعمان: «المكثِر من النحو كالمكثِر من غرس شجرٍ لا يُثمِر». وقال الشافعي: «النحو ملحُ العلم، ومتى استُكثِرَ من الملح... فسدَ الطعام».وفي عصرنا هاجم كثير من الكُتّاب والأدباء والشعراء النحو لأنهم رأوه من معوِّقات الإبداع العفوي! كما في قول الشاعر العراقي عبد القادر الجنابي: «إن موهبتي الوحيدة في اللغة العربية هي جهلي بالنحو». ! وهو شاعر كبير لا يخطئ نحوياً... لكنه يعبِّر مجازياً عن ضرورة الإفلات من براثن النحو وعدم المغالاة في تدريسه وتوظيفه؛ حتى لا يعرقل حركية الإبداع العفوي.ومن خبرتي في تدريس النحو عبر عقود لاحظت أن هناك أخطاء لا يمكن لسيبويه إصلاحها وهي تتغلغل في أنامل، وعقول، وشفاه، وألسنة الطلاب بما لا يمكن تغييره! وقل الأمر نفسه عند كثير من الكتّاب والشعراء والصحفيين... وبالذات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنغرز في عينيك، كشوك القتاد، تلك اللغة «الفيسبوكية» أو «التويترية» إلخ... التي تنذر بخراب الهيكل البديع للغتنا الجميلة.من طرائف تدريس النحو قصيدة المعلم لإبراهيم طوقان، ومنها،( لاحظ فتح واو «لو»، وتخفيف همزة «انَّ»:وَلَوَ انَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعَاً يُرْتَجَىوَأَبِيكَ لَمْ أَكُ بِالْعُيُون بَخِيلالَكِنْ أُصَلِّحُ غَلْطَـةً نَحوِيَّـةًمَثَـلاً، وَاتَّخِذُ الكِتَابَ دَلِيلامُسْتَشْهِدَاً بِالْغُـرِّ مِنْ آيَاتِـهِأَوْ بِالْحَدِيثِ مُفَصّلا تَفْصِيلاوَأَغُوصُ في الشِّعْرِ الْقَدِيمِ فَأَنْتَقِيمَا لَيْسَ مُلْتَبِسَاً وَلاَ مَبْذُولاوَأَكَادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ الْبِلَىوَذَويِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الأُولَىفَأَرَى (حِمَارَاً) بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهرَفَعَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَالْمَفْعُولا.نعم، النحو ضرورة لغوية، وعقلية إبداعية، ووطنية، وحضارية في كل اللغات. ولا بد من تطوير، بل تثوير، أساليب تدريس النحو، حتى لا نخرج به من عالَم الضرورة... إلى قيود الضرر!* شاعر وناقد سوري
محليات - ثقافة
خواطر تقرع الأجراس
النحو بين الضرورة والضرر
08:08 م