منذ إعلان حال الطوارئ الذي فرضه الرئيس برويز مشرف في باكستان والشارع الباكستاني يعيش في حالة من الفوضى والفلتان الأمني لم نره من قبل، بيد أن المعارضة مقابل تصرفات الرئيس مشرف في تمسكه في السلطة بأي وسيلة كانت، ماضية في مواجهته مواجهة حازمة وشرسة بقيادة بنازير بوتو، وبتوجيهات من نواز شريف اللذين رفضا رفضاً قاطعا بأن يكون هناك لقاء بينهما وبين الرئيس مشرف، بل انهما صمما على أن يعززا جبهة المعارضة لمواجهة نظام الرئيس العسكري بالتصدي لقراراته الدكتاتورية في البلاد، وعلى ضوء هذه الأحداث الدامية والأوضاع الملتهبة قرر الرئيس برويز مشرف زيارة الشقيقة السعودية فجأة من دون مقدمات، وهي تأتي كوسيلة ضغط لانقاذ الموقف الرئاسي العسكري حتى لا تخرج البلاد عن السيطرة، وذلك بمساعدة دول إسلامية صديقة، هذا وقد أثارت زيارته الخارجية تلك تساؤلات عدة، من ضمنها: ما سبب اختيار الرئيس الباكستاني برويز مشرف زيارة الشقيقة السعودية بالذات؟! وهل هذه الزيارة محاولة لترتيب لقاء ودي بين الرئيس الحالي ورئيس الوزراء الأسبق نواز شريف في مدينة جدة بعد أن رفض الآخر اجراء أي اتصال سياسي معه؟! أم ان الزيارة مبتغاها انقاذ ما يمكن انقاذه من حالة الفوضى والغليان الشعبي في الشارع الباكستاني؟! غير ان المعلومات التي أثيرت حول زيارة الرئيس مشرف للشقيقة السعودية ولقائه مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز غير واضحة بسبب تعدد الأسباب، هذا في الوقت الذي تشير فيه أنباء إلى أن المعارضة التي يواجهها الرئيس مشرف بقيادة بوتو وشريف لا تزال غير موحدة وتحتاج إلى ترتيب منظم وربما يكون ذلك بسبب غياب أحد رموزها وهو رئيس الوزراء السابق نواز شريف المنفي، والذي حاول دخول بلاده إلا أن السلطات الباكستانية قد منعته بسبب خوف القيادة الباكستانية من قاعدته الشعبية المتينة، ولأنه لو دخل البلاد سيصبح عاملاً مؤثراً في سياسة تعزيز جبهة المعارضة ضد النظام الحالي.بدأت جميع أحزاب المعارضة العمل على تعزيز مواقفها بعد أن بدأ الرئيس مشرف بتطبيق النظام العسكري الديكتاتوري، وقام بحل البرلمان، والتمسك بفرض نظام الطوارئ، غير الدستوري، ثم اصدار أمر رئاسي بتعليق الدستور، وتوقيف أعداد كبيرة من القضاة للتضييق عليهم، إضافة إلى السيطرة على وسائل الإعلام المتعددة حتى لا تنتشر المعلومات الداخلية خارج البلاد.وقد أثارت هذه التصرفات حفيظة الغالبية من الباكستانيين، وزاد من ذلك اصراره على تطبيق النظام العسكري في بلاده حتى تم اعتقال الكثير من المعارضين وهم يتظاهرون ضد تلك القرارات، إلى أن تم أخيراً اطلاق سراح أكثر من 5000 معارض من المحامين والنشطاء الحقوقيين وآخرين... غير أن الباقين الذين يقدرون بالآلاف لا يزالون رهن التحقيق وفي السجون بسبب رفضهم حال الطوارئ في البلاد، وكلها تصرفات تدل على أن الرئيس مشرف متمسك بالنظام الديكتاتوري حتى النخاع وهو الأمر الذي لا يتماشى مع متطلبات الشعب الباكستاني الذي تعوّد على الحرية الشعبية والنظام الديموقراطي المدني منذ سنوات.والإعلان عن موعد الانتخابات العامة المقبلة في الثامن من يناير المقبل قد لا تكون خطوة لتهدئة الأوضاع هناك، إنما قد تكون رغبة رئاسية لإصلاح الخلل الذي واجه نظامه الديكتاتوري في البلاد.والواقع انه ليس على الرئيس مشرف سوى تقبل وضعه في الانتخابات العامة المقبلة بروح الحرية والشفافية والحياد حتى يتم تفادي انهيار مؤسساته ونشوء أزمة داخلية محتملة بالرغم من عدم قبول المعارضة لعملية الإجراءات الرئاسية الأخيرة، والخلاف معه في نقاط كثيرة منها عدم امكانية قيام انتخابات تشريعية حرة في ظل تطبيق حال الطوارئ بين الشعب، فحال الطوارئ المطبقة حاليا ستفقد مصداقيتها لانها ستحرم الشعب من التعبير عن رأيه الانتخابي بحرية، لذلك فإن هناك محاولات جديدة من المعارضة لتشكيل جبهة موحدة تؤدي إلى إعلان مقاطعة للانتخابات التشريعية المقبلة والدعوة إلى تشكيل حكومة انتقالية من المعارضة تحقق الوفاق الوطني.هناك ضغوط محلية دولية على حكومة الرئيس مشرف الحالية من أجل رفع حال الطوارئ لإنهاء السياسة الديكتاتورية في باكستان على اعتبار ان ذلك يعد انتهاكا للحقوق الدستورية الأساسية، وقد أسفرت هذه الضغوط في النهاية على قيام مشرف بتعديل بعض مواد الدستور الذي يشرع إعلان الطوارئ.هناك الآن علامات اســــتفهام كبـــيرة حول تدني شعبية الرئيس مشرف عند إدارة الرئيس الأميركي جــــورج بوش، فهذه الادارة تعتبره الآن «الرئيـــس الضعـــيف» بعــــدما كان حليفاً قوياً لهم، وقد قلت قاعدته الشعبية بعدما عجز عن التصدي للتطرف الإسلامي، والحرب على الإرهاب، ثم رفضـــه الدائم على رفع حال الطوارئ في بلاده، وعلى إعادة إجراء المحادثات مع أقطاب المعارضة رغم النصائح الأمـــيركية والضـــغوط الغربية!!لقد قدمت المعارضة عدة طعون رئيسية ضد إعادة انتخاب الرئيس الحالي برويز مشرف في المحكمة العليا في باكستان إلا ان المحكمة وسياستها الملتوية أبقت على طعن واحد للنظر فيه في جلسة مقبلة، في حين يصر الرئيس الباكستاني مشرف على رأيه الغريب بأنه القائد الوحيد القادر على حماية باكستان وحماية جيشه من الأعداء رغم كثافة حجم المعارضة الشعبية!! يا للعجب!«ولكل حادث حديث»،

علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسيalfairouz61@alriayahoo.com