نقرأ ونطالع بشكل يومي في جميع وسائل الإعلام خصوصاً المقروءة منها أخبار القضايا والحوادث التي تكون «الخمر» هي العنصر الأساسي فيها أو السبب المحرك لها، لدرجة أن المتابع لهذه الأخبار يكاد يجزم أن الأمر ليس عارضاً بقدر ما هو يميل إلى أن يكون ظاهرة أو ما يشبه الظاهرة، ما يثير الكثير من التساؤلات حول حجم الحوادث والقضايا المتعلقة بالخمر، والأسباب المؤدية لهذا الانتشار الغريب، خصوصا ونحن نعيش في مجتمع عربي مسلم يتخذ من الشريعة الإسلامية دستوراً ومنهجاً لحياته، ومن المبادئ والقيم العربية الأصيلة سلوكاً... هذا إذا وضعنا في الاعتبار أنه لم تنل أي من المحرمات ما نالته الخمر من الاهتمام والذكر في الفقه الإسلامي ومصادره، ولعل ذلك مرده إلى خطورة شرب الخمر على الفرد والمجتمع الإسلامي من الناحية الدينية والناحية الاجتماعية، وإلى تعلق غالبية المجتمع الجاهلي به، وهو أول مجتمع تلقى الدعوة الإسلامية.ولعلنا هنا نفهم لماذا أولى الشرع الحنيف الخمر كل هذه الأهمية القصوى من التحريم والتحذير وعدم الاقتراب منها واجتنابها حتى انه أطلق عليها اسم «أم الخبائث»، لأنه إذا وجدت أو انتشرت أو حتى تسللت إلى أي مجتمع كانت سبباً مباشراً في كل بلية أو جريمة ترتكب فيه، والموضوع ببساطة لأن الخمر تذهب العقل الذي يسيطر على الإنسان وجوارحه، فإذا غاب العقل فقد الإنسان الوعي، ومن ثم كانت سلوكياته وتصرفاته خارج نطاق السيطرة، فيأتي بتصرفات وأفعال قد تصل إلى حد الجرائم الكبرى وهو لا يدرك حجم ما ارتكب من جرم ولا عواقب هذا الجرم وما تسبب فيه من أذى لنفسه أو للآخرين.أم الكوارثمن اللافت جدا في الآونة الاخيرة انه لا يمر يوم من غير ان تقرأ او تسمع عن حادث سير ادى الى خسائر في الارواح بمختلف انواعها لأن قائد السيارة المقلوبة او التي اصطدمت بعمود الانارة او بشجرة او سقطت من فوق احد الجسور او اصطدمت بسيارة اخرى او تسببت في حادث جماعي... كان قائدها في حالة سكر! لقد اصبحت «الخمر» في عصرنا الذي نعيشه - فوق انها ام الخبائث - ام الكوارث والمصائب.وننتقل إلى نوع آخر من حوادث الخمر تتمثل في القتل والطعن والضرب والاعتداءات الجسدية بكافة انواعها، والاغتصاب وهتك الاعراض، واشدها وقعا وخطورة اغتصاب المحارم... وهذا كله بسبب الخمر.فهذا خبر عن مجموعة من الشباب اجتمعوا في جلسة لمعاقرة الخمر وانتهت سهرتهم بقتل احدهم بعد ان نشب خلاف بينهم بعدما لعبت الخمر برؤوسهم وافقدتهم السيطرة على اعصابهم وتملكهم الشيطان ونال منهم.وهذا خبر عن شاب طعن صديقه او رفيقه طعنة نافذة وضعته بين الحياة والموت في العناية المركزة بأحد المستشفيات لانهما اختلفا وهما في حالة سكر بين.إلى هذا الحد يصل الامر بشارب الخمر لانها كما يعرف الجميع انها تغيب العقل فيصبح معاقرها كالحيوان المتوحش الذي لا يردعه رادع من ضمير او دين او اخلاق او قيم لانه بفقده لعقله يصبح تحت سيطرة الشيطان الرجيم يحركه كيفما يشاء...مفتاح كل شرقال عنها الامام ابن القيم رحمه الله في كتاب «حادي الارواح»:ان شرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب، وهي ام الخبائث، ومفتاح كل شر، تغتال العقل، وتستنزف المال، وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق، ورجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والاخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتهتك الاستار، وتظهر الاسرار، العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمآثر، وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن...!كم اهاجت من حرب... وافقرت من غني... وذلت من عزيز... ووضعت من شريف... وسلبت من نعمة... وجلبت من نقمة...وكم فرقت بين رجل وزوجته... فذهبت بعقله وراحت بلبه... وكم اورثت من حسرة اوجرت من عبرة... وكم اعلقت في وجه شاربها بابا من الخير وفتحت له بابا من الشر... وكم اوقعت في بلية وعجلت من منية... وكم جرت على شاربها من محنة؟فهي جماع الاثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها الا انها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد لكفى بها من مصيبة.ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «لاتشرب الخمر فانها مفتاح كل شر» رواه ابن ماجه.فإلى متى ستظل المجتمعات الإسلامية متهاونة في مواجهة هذا الغول المدمر لثرواتها وشبابها وأمنها الاجتماعي؟ وإلى متى سيستمر مسلسل اخبار الحوادث والقضايا المتعلقة بالخمر؟

داء وليس دواء

عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر؟ فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس بدواء ولكنه داء». صحيح مسلم في الأشربة 2984.وقال ابن مسعود في السكر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم.قال ابن حجر: ويؤيده ما أخرجه الطبراني من طريق قتادة قال: السكر خمور الأعاجم، وعلى هذا ينطبق قول ابن مسعود: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم.وعن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له خثيم ابن العداء داء ببطنه، فنعت له السكر، فأرسل الى ابن مسعود يسأله فذكره عن مسروق قال: قال عبدالله بن مسعود: لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة،. وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. ولجواب ابن مسعود شاهد أخرجه أبويعلى وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي - من التخمر - فقال: ما هذا؟ فأخبرته، فقال: «ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (فتح الباري).

دفء كاذب

يقول الكونت هنري دي كاستري المفكر الأوروبي في كتابه الإسلام خواطر وسوانح (ومن الشهوات ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأمر بمجاهدة النفس فيه فقد حرم على المسلمين شرب الخمر وكل شراب يؤثر مثله، وقد بالغ المسلمون في العمل بهذا النهي، فكان من وراء ذلك أن نجت الأمم الإسلامية من مرض المسكرات، وهي الداهية التي تفجع اليوم أمماً كثيرة في أوروبا. وكانت إحدى الأسباب في المجتمع الانساني وظهور مذهب الفوضويين مما تجهله الأمم الاسلامية.إن الدفء الذي يحصل عليه شارب الخمر ليس دفئاً حقيقياً ولا طبيعياً وانما هو دفء صناعي كاذب والسبب في حصوله هو أن الكحول اذا دخل الجسم مدد الأنابيب الشعرية التي تحمل الدم الى سطح الجلد وبذلك تتسع تلك الأنابيب حتى تكون مستعدة لقبول مقدار من الدم أكثر مما كانت تحمله وهي في حالتها الطبيعية. فإذا ما وصل هذا الدم المتزايد الى سطح الجلد شعر الإنسان طبعاً بالدفء والحرارة بالرغم من أنه يفقد جزءاً كبيراً من حرارة جسمه الطبيعية.ولقد ثبت من التجارب العلمية ان مدمني الخمر وهم يعتقدون انهم يستدفئون... بتعاطيهم المشروبات الكحولية هم أكثر الناس تعرضاً للبرد والزكام والاصابة بالأنفلونزا... والالتهاب الرئوي والنزلات الصدرية.