قبل أيام قليلة وتحديداً في 18 يوليو الجاري، علق السيد أنيس نقاش على صورة الزعيم الأسبق للحزب الشيوعي الصيني بتغريدة جاء فيها «هذا الشاب اسمه ماو تسي تونغ، لو كان هو مرجعا تقليداً للعراقيين لكنا بألف خير ولكانوا حسينيين فعلاً». لذلك احتمل أن النقاش يعتبر نفسه أفقه من زعيم الحوزة العلمية في النجف المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي السيستاني، ولكنني أجزم بأن مفهومه عن المرجعية الدينية، ومعرفته بالإمام الحسين، عليه السلام، يختلف تماماً ويكاد يتناقض مع الفهم الشرعي والعقائدي السائد في الحوزات العلمية.فالحوزة في النجف الأشرف مدرسة «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، والسيد السيستاني هو صمام أمان العراق أمام الفتن والمحن. فهو الذي قطع رحلة علاجه مغادراً بريطانيا، وعاد إلى العراق ليقود مسيرة عفوية، ما لبثت أن تحولت إلى جماهيرية، لتقلب الموازين وتسكت البنادق والدبابات. وهو الذي أرشد المقاومة السلمية للاحتلال الأميركي، وحقق من خلالها ما لم تحققه المقاومة المسلحة، ليس على صعيد حقن الدماء وحماية الممتلكات فقط، بل في تعجيله العملية السياسية، وتباعاً انسحاب القوات المحتلة، حيث فرض سماحته مساراً سياسياً على المحتل الأميركي الذي أرغم على قبوله في محطات مفصلية عدة. وهو الذي تدارك انهيار الجيش العراقي، وأصدر فتواه بالجهاد الكفائي لمقاتلة «داعش» بعد احتلاله محافظة نينوى، وتنفيذه لمذابح وفق الهوية الطائفية، وإعلان نيته المواصلة جنوباً إلى مدن أخرى، وهدم مراقد الأئمة عليهم السلام.كما لا بد أن ألفت نظر السيد النقاش إلى أن التعايش السلمي مرتكز أساس في فكر سماحة المرجع الأعلى. وأنصحه بمراجعة خطابات سماحته، ومنها دعواته المتكررة إلى الوحدة. وأدعو المهتمين بإنهاء الاقتتال الطائفي في المنطقة، الاطلاع على نصائح وتوجيهات سماحته للمقاتلين في ساحات الجهاد، وهي متوفرة على شبكة الانترنت في العنوان «www.sistani.org/arabic/archive/25034». ولكنني سأكتفي في هذا المقال بعرض مقطعين: جاء في الأول «فالله الله في النفوس، فلا يُستحلّن التعرّض لها بغير ما أحلّه الله تعالى في حال من الأحوال، فما أعظم الخطيئة في قتل النفوس البريئة، وما أعظم الحسنة بوقايتها وإحيائها». وأما المقتطف الثاني فهو «الله الله في حرمات عامّة الناس ممن لم يقاتلوكم، لا سيّما المستضعفين من الشيوخ والولدان والنساء، حتّى إذا كانوا من ذوي المقاتلين لكم، فإنّه لا تحلّ حرمات من قاتلوا غير ما كان معهم من أموالهم».لذلك أدعو النقاش إلى ألا يزن إنجازات ماو تسي تونغ من دون تقييم وسائله في ما حقق. فمثلاً مقاومة المحتل الأميركي عمل واجب، ولكن ليس من خلال تمكين الارهابيين من التفجير وقتل المدنيين، مثلما دعم بعض الدول في المنطقة «تنظيم دولة العراق الإسلامية» قبل أن يصبح «داعش». وكذلك مقاتلة الفصائل الارهابية في سورية أمر ضروري، ولكن ليس عبر القصف العشوائي بالبراميل المتفجرة في المناطق السكنية. فكما قال السيد السيستاني «إنّ الله سبحانه وتعالى ـ كما ندب إلى الجهاد ودعا إليه وجعله دعامةً من دعائم الدين وفضّل المجاهدين على القاعدين ـ فإنّه عزّ اسمه جعل له حدوداً وآداباً أوجبتها الحكمة واقتضتها الفطرة، يلزم تفقهها ومراعاتها». فمراعاة هذه الحدود من بين نقاط الاختلاف الجوهرية بين الحسينيين و«الماو تسي تونغيين».أزعجتني كثيرا تغريدة النقاش لما فيها من تجاسر على أحد المراجع العظام، وهم في الثقافة الشيعية خط أحمر. لذلك نشرتها في بعض وسائل التواصل الاجتماعي لعلي أساهم في التصدي لتلك الإساءة، ودفع المتطاول إلى الاعتذار لسماحته وللشيعة... ولكنني فوجئت بتجاهل الجميع لتلك التغريدة ـ وما تتضمن من إساءة للمرجعية ـ باستثناء القليل من الزملاء الأفاضل، أحدهم عتب على النقاش في «تويتر»، ولكنه لم يبالِ! ما حداني إلى التساؤل: هل فعلاً المراجع العظام خط أحمر لدى الشيعة؟ أم أن هذا الخط انتقائي؟ وتساءلت لماذا لم ينبرِ لنصرة السيد السيستاني من تصدى من قبل عندما تجرأ أحد الصحافيين على المرجع نفسه؟ هل المطالبة بإبعاد هذا الصحافي كانت بسبب إساءته للمرجعية أم لأسباب أخرى؟ هل يعاني بعضنا من الازدواجية في المعايير أم أنهم يتعاملون مع الناس بالمكر والتضليل؟ هل يمكننا أن نتحد ونبني بيتاً يجمعنا بالمراوغة والمخادعة؟ وإن تم ذلك، هل سيكون بنياناً مرصوصاً أم متزعزعاً بسبب هشاشة أساساته؟مقالي هذا ليس نصرة للسيد السيستاني، ومثله لا يحتاج إلى مثلي، فهو ممن ينطبق عليهم قوله تعالى «إن تنصروا الله ينصركم». ولكنني أسعى هنا إلى تعميم رسالته ومنهجيته في التعاطي مع أزمة الفتنة الطائفية الإقليمية.علينا ـ نحن الكويتيين ـ أن نستنكر جميع الجرائم ضد المدنيين، من دون الالتفات لانتماءات الجناة، ولا المجني عليهم، ولكن بعد التحقق من وقوع الجريمة عبر مصادر متعددة، ومن بينها هيئات دولية. لأن جزءاً كبيراً من الاحتقان الطائفي محفزاته أخبار مفبركة. أرجوكم، أوقفوا مضللي الرأي العام الذين يتداولون أخباراً مفبركة أو مغلوطة نقلا عن مصادر إعلامية مشاركة في المواجهات القائمة. واجهوهم قبل أن نسقط كما سقط العراقيون... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه»وفي قضية أخرى، أناشد الحكومة تبني برنامج متكامل لترميم العلاقة بين المجتمع ومنظومة العدل، وعدم الاكتفاء بإشغالنا في مقترح 3 ايام عطلة اسبوعية بعيد صدور احكام الاستئناف في قضية العبدلي... «اللهم أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
أنيس النقاش ومرجعية السيستاني
04:54 م