طالعتنا جريدة «الجريدة» في صدر صفحتها الأولى الصادرة يوم الأحد الموافق 15/ 5/ 2016 في عددها رقم 3046 – تحت عنوان (كوتا للحكومة والمجلس في الدستورية) وأوردت تحت هذا المقال الرئيسي، أن مصادر مطلعة كشفت عن أن الحكومة قدمت مشروعاً بقانون تعديل قانون المحكمة الدستورية الحالي، يتضمن تعديل تشكيلها ليكون بعضوية خمسة مستشارين وممثلين عن الحكومة وآخرين عن مجلس الأمة.وأوضحت جريدة الجريدة أن تعديل قانون المحكمة الدستورية يهدف إلى إشراك السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأحكام القضائية التي تصدرها المحكمة، وأن هذا الاتجاه سمحت به المذكرة التفسيرية للدستور. ثم أضافت الجريدة، أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء رئيس المحكمة الدستورية رئيس محكمة التمييز المستشار يوسف المطاوعة صرح بأن المجلس لم يتلق أي مشروع حكومي بهذا الشأن، وفي حالة وروده سيتم عرضه على المجلس لمناقشته، ولم يطلب رأيه في هذا المشروع، وأضاف السيد المستشار يوسف المطاوعة، أنه سبق أن عرضت هذه الأفكار في المجالس السابقة باقتراحات بقوانين مقدمة من النواب.ولو صح ما كشفت عنه جريدة الجريدة، من تقديم الحكومة مشروعا بتعديل قانون المحكمة الدستورية بإشراك غير القضاة في تشكيل المحكمة الدستورية، فإن هذا المشروع من شأنه أن يحول الرقابة القضائية على دستورية القوانين، إلى رقابة سياسية، وهو يشكل خطراً بالغ الجسامة على مستقبل القضاء الدستوري بالفصل في دستورية القوانين، ويشكل – للوهلة الأولى – مخالفة جسيمة للمادة (53) من الدستور الكويتي التي نصت على أن «السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير، في حدود الدستور».وصاحب هذه الدراسة، كان ممثلاً لحكومة دولة الكويت أمام المحكمة الدستورية منذ إنشاء المحكمة بالقانون رقم 14/ 1973 حتى عام 1993، عاصر فيها جميع المحاولات السابقة من بعض أعضاء مجلس الأمة بتقديم مشروعات مماثلة للمشروع المقترح، وشارك في تقديم الأبحاث والدراسات رداً على التعديل المقترح، وسوف يتناول هذه الدراسة في ثلاثة مباحث، وهي:المبحث الأول: تاريخ إنشاء الرقابة السياسية على دستورية القوانين في النظم السياسية المقارنة.المبحث الثاني: أسباب المفاضلة بين الرقابة القضائية والرقابة السياسية.المبحث الثالث: مخالفة الاقتراح بتعديل تشكيل المحكمة الدستورية «ليشمل غير القضاة» لمخالفة الاقتراح لنص المادة 173 من الدستور.تاريخ الرقابة السياسيةعلى دستورية القوانينتعد فرنسا المثال الأول للدول التي جعلت الرقابة من اختصاص هيئة سياسية، فقد ظهرت فكرة الرقابة على دستورية القوانين – عند إعداد دستور السنة الثالثة لإعلان الجمهورية – بإيجاد هيئة سياسية يكون من اختصاصها إلغاء جميع القوانين التي توضع بالمخالفة لأحكام القانون الدستوري.ثم ظهرت المحاولة الثانية عند إعداد دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية، حيث أنشئ في ذلك الدستور «مجلس الشيوخ الحامي للدستور» وأعطي لهذا المجلس الحق في رقابة دستورية القوانين قبل إصدارها بحيث يملك إلغاء ما يعد مخالفاً منها للدستور.وظهرت بعد ذلك فكرة الرقابة السياسية – في محاولة ثالثة – في دستور سنة 1852، حيث ضمنه لويس نابليون النص على إنشاء مجلس، وتكون مهمته تعديل الدستور ومراجعة القوانين من حيث صفتها الدستورية قبل تقديمها لرئيس الدولة لإصدارها، وإلغاء القوانين التي تحال إليه من الحكومة أو بناء على التماس من الأفراد إذا ثبت له عدم اتفاقها مع القواعد الدستورية.ولم تنجح المحاولات السابقة في إنشاء نظام مستقر للرقابة على دستورية القوانين سواء قبل صدور القوانين أو بعد صدورها، إما لأن رئيس الدولة وجد أن هذه الهيئات سوف تصبح سلطة فوق السلطات، أو أنها تخضع لما تمليه عليها أهواء.وبصدور دستور 1946 في فرنسا، عادت فكرة – الرقابة السياسية على دستورية القوانين – فأنشأ الدستور هيئة تسمى «اللجنة الدستورية» وقد أوضحت المادة (91) منه كيفية تشكيل اللجنة، حيث تشكل برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس الجمعية الوطنية (مجلس النواب) ورئيس مجلس الجمهورية (مجلس الشيوخ) وسبعة أعضاء تنتخبهم الجمعية الوطنية من غير أعضائها في بداية كل دورة سنوية، على أساس التمثيل النسبي للهيئات السياسية، وثلاثة أعضاء يختارهم مجلس الجمهورية بنفس الطريقة التي ينتخب بها السبعة أعضاء المشار إليهم.ومع ذلك لم تنجح هذه المحاولة لأنه ثبت من عمل هذه اللجنة، أن التشكيل يخضع للاعتبارات السياسية، فاللجنة ليست إلا امتدادا للبرلمان، وكان تشكيلها يخضع لسياسات الأحزاب القائمة آنذاك، وهو الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي والحركة الجمهورية التقدمية، مما أدى إلى تلون آراء أعضائها بلون الأحزاب التي يمثلونها، بحيث يصبح البحث في دستورية القانون المعروض على اللجنة متوقفاً على مدى تجاوبه أو عدم تجاوبه مع وجهة نظر الحزب الذي ينتمي إليه.واستمر الخلاف حول جدوى الرقابة السياسية – وفقاً للمحاولات السابقة – على مدى يزيد على مائة وخمسين عاماً منذ القرن الثامن عشر – دون وضع نظام مستقر، إلى أن صدر الدستور الفرنسي عام 1958 في المواد من (56 إلى 63) بإنشاء «المجلس الدستوري» ويتكون هذا المجلس من نوعين من الأعضاء: أعضاء بحكم القانون ولمدى الحياة، وهؤلاء هم كل رؤساء الجمهورية السابقين الموجودين على قيد الحياة. وأعضاء معينون، وهؤلاء تسعة، ومدة العضوية تسع سنوات، وهؤلاء الأعضاء التسعة يختار رئيس منهم ثلاثة، ولا مكان للتجديد في عضوية المجلس، فإن كل واحد ممن لهم حق الاختيار يختار واحداً لمدة ثلاث سنوات وواحدة لمدة ست سنوات وواحداً لمدة تسع سنوات.ووفقاً لأحكام المواد السابقة، فإن أعضاء المجلس لا يفقدون العضوية إلا بالوفاة أو الاستقالة، ويجوز فقدان العضوية بقرار من المجلس الدستوري نفسه في حالة عدم الأهلية لمزاولة العمل، ولا يجوز لأعضاء المجلس الجمع بين عضويته وعضوية الوزارة أو عضوية البرلمان أو عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك لا يجوز تعيين أعضاء المجلس الذين كانوا أساتذة في كلية الحقوق شاغلين منصب الأستاذية إلى جوار عضوية المجلس.وحاصل الوضع بالنسبة للرقابة السياسية في فرنسا، أنها رقابة وقائية – قبل صدور القوانين – وقد انتقد الفقه الفرنسي نظام المجلس الدستوري الذي أقره الدستور الفرنسي الصادر عام 1958، حيث لا يحق للأفراد اللجوء إلى المجلس التأسيسي لتحريك اختصاصه الرقابي كما هو مطبق في دول الرقابة القضائية، كما انتقد الفقه الفرنسي أعمال هذا المجلس، حيث هيمن عليه اعتبارات حزبية وسياسية، ووصفه الفقيه ديجيه في مطول القانون الدستوري بأن «تشكيل المجلس التأسيسي يمثل بيت الداء».ومن أمثلة الرقابة السياسية أيضاً، النظام الدستوري لجمهورية ألمانيا الديموقراطية، حيث تضمن دستور 1949 رقابة دستورية القوانين، فنص في المادة (66) منه على أن يشكل مجلس الشعب ولمثل مدته لجنة دستورية تمثل فيها مختلف هيئات الدولة بحسب أهميتها ويكون من بين أعضائها ثلاثة من أعضاء مجلس الشعب ممن لهم الخبرة في مسائل القانون العام تكون مهمتها التحقق من صحة الصفة الدستورية إذا أثير الشك حولها من ثلث أعضاء اللجنة الرئاسية أو من رئيس الجمهورية أو الحكومة أو المجلس.كذلك أخذت المملكة المغربية بالرقابة السياسية لدستورية القوانين، وذلك فيما قررته من إنشاء غرفة دستورية تشكل من الرئيس الأول للمجلس الأعلى وثلاثة أعضاء يعينون وثلاثة آخرين يعينهم رئيس مجلس النواب، وتتولى مهمة التحقق من مطابقة القانون للدستور قبل إصداره.يتضح من النظم المقارنة، أن الرقابة على دستورية القوانين عن طريق مجلس أو هيئة أو لجنة تشكل من خارج القضاة المتخصصين، وتدخل رئيس الدولة أو البرلمان في تشكيل أعضائها، هو نظام غير فعال وغير منتج وغير مفيد، فأصبح التشكيل لأعضاء المحكمة خاضع لأهواء سياسية أو أهواء حزبية، أو أهواء رئيس الدولة، وقد ذهب الفقه الفرنسي إلى انتقاد تشكيل المحكمة من خارج قضاة المحاكم، لأن الرقابة على دستورية القوانين سواء قبل صدورها أو بعد صدورها، يستلزم صفات وخبرة لا تتوافر في غير القضاة، وإنما يجب أن تكون لقضاة متخصصين بالعلوم السياسية والقانونية والقضائية ولهم خبرة طويلة في القضاء.المفاضلة بين الرقابتينالسياسية والقضائيةعند المفاضلة ما بين الرقابة السياسية والرقابة القضائية، فلا شك أن كفة التقدير تميل ناحية تشكيل المحكمة الدستورية من قضاة، حتى أن الفقه الفرنسي – بلد الرقابة السياسية – أعلن صراحة عن ضرورة تشكيل محكمة من قضاة، على النحو الذي أسلفناه، لأن أسلوب الرقابة القضائية، كالشأن في القضاء الإداري والقضاء العادي، يقوم على الحياد والبعد عن التيارات السياسية ومؤثرات الأحزاب، التي تتدخل بوسائلها في سير العمل وفقاً للطبيعة السياسية، إضافة إلى وجود القضاة المتخصصين في تطبيق القوانين بحكم تكوينهم وتأهيلهم القانوني، وهو أمر لازم وضروري لمباشرة هذه المهمة.فالرقابة على الدستورية تقوم على طابع فني متميز ينبغي أن يتوافر فيمن يتولاها معرفة ودراية بالدستور واتجهاته وقدرة على تفسيره.ويقول الأستاذ الدكتور عبدالرزاق السنهروي في بحثه المشهور «مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية» المنشور بمجلة مجلس الدولة المصري – السنة الأولى – العدد الثاني – ص2 – بما يأتي: «أن الديمقراطيات التي لم ترسخ لها قدم في الحكم الديموقراطي الصحيح هي في أشد الحاجة إلى رقابة القضاء وذلك أن كل ديموقراطية ناشئة لم تنضج فيها المبادئ الديموقراطية، ولم تستقر هذه المبادئ عندها في ضمير الأمة، تكون السلطة التنفيذية فيها هي أقوى السلطات جميعاً، تتغول على السلطة التشريعية وتسيطر عليها، وتتحيف السلطة القضائية وتنتقص من استقلالها، والدواء الناجح لهذه الحال هو العمل على تقوية السلطة القضائية، فهي أدنى السلطات الثلاث إلى الإصلاح، إذ القضاة نخبة من رجال الأمة، اشربت نفوسهم احترام القانون، وانغرس في قلوبهم حب العدل، وهم بطبيعة وظيفتهم يؤمنون بمبدأ المشروعية، ولا يقدر لهذا قيام واستقرار إذا لم يوجد إلى جانبه قضاء حر مستقل يحميه من الاعتداء ويدفع عنه الطغيان».ويؤخذ من ذلك أن الرقابة على دستورية القوانين، هي بطبيعتها داخلة في طبيعة العمل القضائي للمحاكم، وتعد الولايات المتحدة الأميركية هي نموذج للدول التي سمح القضاء فيها لنفسه بتفسير النصوص الدستورية، بما يسمح له بفرض الرقابة على دستوريتها.ففي الولايات المتحدة الأميركية يسود الفهم على أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين جزء طبيعي من الوظيفة القضائية، رغم أن الدستور لم ينص على هذا النوع من الرقابة، وكل ما فعله الدستور الأميركي أنه قرر للمحكمة العليا ولما ينشأ إلى جوارها من المحاكم الدنيا، اختصاصاً عاماً بممارسة الوظيفة القضائية.وثبت من التاريخ الطويل لرقابة دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأميركية، أن واضعي الدستور كانوا على علم – عند وضع الدستور – بحالات أربعة، حاولت فيها المجالس التشريعية أن تتجاوز حدودها الدستورية فردتها المحاكم في تلك الولايات، مقررة عدم دستورية ما أصدرته من تشريعات، وهذه الحالات حدثت في «ولاية نيوجرسي» عام 1780، وفي ولاية «رود أيلاند» عام 1987، وفي نفس السنة صدر قانون في ولاية «كارولينا» ثم صدر قانون في ولاية «نيوهامبشير»، فقضت المحاكم بعدم دستورية هذه القوانين، رغم عدم النص على نظام للرقابة على دستورية القوانين في دستور الولايات المتحدة الأميركية.فهذه السوابق أكدت لواضعي الدستور الأميركي، أن القضاء في الولايات المتحدة الأميركية، قد جرى – قبل وضع الدستور – على ممارسة تلك الرقابة على نحو لم ير معه واضعو الدستور حاجة لإعادة النص على الرقابة القضائية على دستورية القوانين. فنصوص الدستور الأميركي – تدعم – حق القضاء في ممارسة الرقابة، حيث نصت المادة الثالثة منه على أن «السلطة القضائية تمتد إلى كافة المنازعات التي تنشأ في ظل الدستور».وبموجب هذا النص، تملك السلطة القضائية في الولايات المتحدة الأميركية بجميع محاكمها وعلى اختلاف درجاتها النظر في الطعون بعدم دستورية القوانين، ومرد ذلك أن هذه المحاكم لا ترى في الرقابة إلا جزءاً طبيعياً من وظيفتها الأصلية في نظر خصومات الأفراد ومنازعاتهم.وحصاد ما تقدم أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين، هي في حقيقتها تقوم على احترام الدستور، وهذا الاحترام لا يكتمل، إلا إذا نظمت وسيلة تضمن مطابقة تصرفات السلطة التشريعية له، ويجب أن تكون الوسيلة بيد سلطة أخرى غير السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية حتى يتحقق حيادها، ويتحقق فعلية الرقابة.مخالفة الاقتراحللمادة 173 من الدستورإن المادة 173 من الدستور الكويتي – التي وردت في الفصل الخامس من الدستور – المخصص للسلطة القضائية – نصت على أن «يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحيتها والإجراءات التي تتبعها...».وإذا كانت المذكرة التفسيرية لنص هذه المادة – أوردت في فقرتها الأخيرة «وفقاً لهذه المادة يترك للقانون الخاص بتلك المحكمة الدستورية مجال إشراك مجلس الأمة والحكومة في تشكيلها إلى جانب رجال القضاء العالي في الدولة، وهم الأصل في القيام على وضع التفسير القضائي الصحيح لأحكام القوانين، وفي مقدمتها الدستور، قانون القوانين».فإن الثابت من عبارات ومنطوق نص المادة (173) من أن المشرع الدستوري لم يعبر في نص المادة 173 من الدستور عن إشراك عناصر غير قضائية في تشكيل المحكمة الدستورية، فلا يجوز الانحراف بألفاظ النص وعبارته إلى ما ورد في المذكرة التفسيرية للدستور، لأن النص الدستوري هو الأساس الذي يجب أن يبدأ منه المفسر تفسيره، ويرتكز عليه وحده، ولا يصح بعد ذلك البحث عن معنى خفي مادام اللفظ دالاً في وضوح على النية التي أمت النص، وقد نصت المادة الأولى من القانون المدني الكويتي على ذلك صراحة بقولها «تسري النصوص التشريعية على المسائل التي تتناولها النصوص بمنطوقها أو بمفهومها».وفضلاً عما تقدم، فإن نص المادة (173) من الدستور عهد إلى القانون تعيين «الجهة القضائية» التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، وأن هذه المادة قد وردت في الفصل الخامس من الدستور المخصص «للسلطة القضائية»، ونصت – في ذات الوقت – المادة 53 من الدستور على أن «السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير في حدود الدستور»، وتنص المادة 163 منه على أنه «لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائيه ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة، ويكفل القانون استقلال القضاء، ويبين ضمانات القضاة والأحكام الخاصة بهم وأحوال عدم قابليتهم للعزل» فإن محاولة إقحام عناصر غير قضائية ضمن تشكيل المحكمة الدستورية استناداً إلى المذكرة التفسيرية للدستور، فإن هذا التعديل المقترح يخالف نص المادة (173) من الدستور.إضافة إلى ما سبق، فإن نص المادة (173) من الدستور أورد عبارة «الجهة القضائية» التي تختص بالفصل في المنازعات الدستورية، وهذه العبارة يجب فهمها وفقاً لمعناها الدارج باعتبارها اصطلاحاً فنياً ومألوفاً يطلق على محكمة قضائية معينة تمييزاً لها عن المحاكم الأخرى، ومن ثم فإن اللجوء إلى المذكرة التفسيرية لا يكون له محل، استناداً إلى القواعد الأصولية في التفسير التي تقرر أنه متى كان النص قطعي الدلالة، فإن البحث عن قصد المشرع في المذكرة التفسيرية أو الأعمال التحضيرية أو الاستهداء بالمصدر التاريخي للنص لا يكون له محل على اعتبار أن المعنى المفهوم من النص إشارة أو دلالة يدخل في عموم دلالة المنطوق وأساسها اللفظي وهو أقوى مرتبة لقوة وضوحه في التعبير عن إرادة التشريع.وفوق ما تقدم، فإن المذكرة التفسيرية للدستور، مجرد وسيلة للتعرف على الإرادة التشريعية – إذا اكتنف النص الدستوري غموض وإبهام – دون أن يكون هناك التزام على الفقه والقضاء بالالتجاء إليها أو الاعتماد عليها في تجميع عناصر هذه الإرادة، لأن المذكرة التفسيرية للدستور، مثلها كمثل أي مذكرة تفسيرية لأي قانون، يجب أن تقتصر على تفسير النصوص التي تحتاج إلى تفسير وإيضاح الغموض الذي قد يكتنف هذه النصوص، فإذا خرجت على ذلك تجردت من كل قيمة قانونية، وفي هذه الحالة لا يكون لتفسيرها الذي تقول به صفة الإلزام القانوني، بحيث يجوز لكل من الفقه والقضاء والسلطات الحاكمة، أن تخرج عليها إذا ما وجدت أن النص لا يتفق مع ما جاء بها، وهذا النهج في التفسير مجمع عليه فقهاً وقضاء وقد أخذت به محكمة التمييز في الطعنين رقمي 58، 62/ 1977، حيث قضت بجلسة 1 /2/ 1978 صراحة بالالتفات عن العبارات التي وردت في المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون رقم 113/1976 في شأن تعديل قانون إيجارات العقارات والأماكن رقم 25/1971 الملغي، وقررت المحكمة أن هذه المذكرة قد وسعت من الحالات التي استثناها المشرع من الحماية المقررة للمستأجرين من الإخلاء – على خلاف ما ورد في نصوص المرسوم بالقانون سالف الذكر – إذ ان هذه النصوص جاءت محددة وقاطعة في تقرير الاستثناء لحالتين فقط هما الأماكن المؤجرة والمخازن والدكاكين.وتأسيساً على ذلك فإنه إذا ما نسبت المذكرة التفسيرية للدستور ما ليس في نصوصه، فلا يؤخذ بها، فإن إضافة اشتراك مجلس الأمة والحكومة في تعيين عضوين، فإن المذكرة التفسيرية تتجرد من كل قيمة قانونية.ولم يفطن واضع التعديل المقترح، أن عمل القاضي الدستوري هو عمل قضائي خالص وليس عملاً سياسياً، لأن دوره في الرقابة يبدأ من إجراء المطابقة بين قاعدة قانونية، وبين قاعدة قانونية أخرى أسمى منها، وسلطته في ذلك ليست سلطة موازنة سياسية، وإنما هي تقوم على حل نزاع بين قواعد قانونية متفاوتة في تدرجها، وإيجاد التطابق بين القواعد الأدنى وبين الدستور، وعلى ذلك فإن الرقابة هنا ليست سوى عنصر في الإجراء الذي ينظم احترام هذا التدرج بين القواعد، والقاضي الدستوري يمارس هذه الرقابة امتداداً لوظيفته القضائية، فيتعين والحال كذلك استبعاد العناصر غير القضائية من تشكيل المحكمة الدستورية، لأنها غير مؤهلة لممارسة هذا الدور الذي يحتاج إلى دراية قانونية ممتازة وكفاءة عالية وإحاطة كاملة بفروع العلوم القانونية المختلفة وخبرة في ممارسة العمل القضائي.ولعل أقوى الحجج والأدلة على مخالفة التعديل المقترح لطبيعة المنازعات الدستورية، هو أن معظم النزاعات أمام المحكمة يشترك فيها مجلس الأمة والحكومة، وهو ما نصت عليه المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة الدستورية بقولها «ترفع المنازاعات إلى المحكمة الدستورية بإحدى الطريقتين الآتيتين: أ) يطب من مجلس الأمة أو من مجلس الوزراء.....» ثم نصت المادة (25) من لائحة المحكمة الدستورية على أن «تعتبر الحكومة من ذوي الشأن إذا كان الطلب متعلقاً بالفصل في دستورية قانون أو مرسوم أو لائحة»، فلا يجوز إشراك ممثلين عنهما في المحكمة الدستورية.وتجدر الإشارة إلى أنه جرت محاولات عديدة لتعديل قانون إنشاء المحكمة الدستورية رقم 14/1973، وأهم محاولة تمت في هذا الخصوص، المحاولة التي تقدم فيها بعض السادة أعضاء مجلس الأمة بتعديل تشكيل المحكمة بإشراك غير القضاة ضمن أعضاء المحكمة على النحو المشابه للتشكيل المقترح المنشور في جريدة الجريدة، وكان ذلك أوائل عام 1983، وقد أحال مجلس الأمة التعديل المقترح إلى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية بمجلس الأمة، فأعدت اللجنة تقريرها المؤرخ 3/3/1983 وانتهت فيه إلى الموافقة على الاقتراح بعد أن أدخلت عليه تعديلاً بإضافة عبارة في تحديد الشروط بالنسبة للعضو غير القضائي، جاء نصها «ويشترط في العضوين أن يكونا من ذوي الكفاءة ومن الحاصلين على مؤهل جامعي في الحقوق»؟وبجلسة 22/3/1983 وافق مجلس الأمة على تقرير لجنة الشؤون التشريعية والقانونية، واعترضت الحكومة على هذا الاقتراح خصوصاً أنه تمت الموافقة في ذات الجلسة على اقتراح بقرار تقدم به أحد الأعضاء في شأن إجراءات ترشيح وتعيين عضو المحكمة الدستورية من قبل مجلس الأمة.وبتاريخ 23/3/1983 – أي في اليوم التالي لجلسة إقرار الاقتراح بالتعديل – أرسل رئيس مجلس الأمة هذا الاقتراح إلى سمو رئيس مجلس الوزراء.وبعد دراسة الحكومة له، رؤي إعادة النظر فيه عملاً بنص المادة (65) من الدستور، فأصدر صاحب السمو أمير البلاد مرسوماً مسبباً برد الاقتراح بالتعديل إلى مجلس الأمة وفق أحكام المادة (66) تمهيداً لعرض الأمر على المحكمة الدستورية.ثم قرر مجلس الوزراء بجلسته رقم 14/1983 المنعقدة في 10/4/1983 التقدم بطلب تفسير إلى المحكمة الدستورية، وتم تكليف صاحب هذه الدراسة بإعداد طلب التفسير، وتم قيده أمام المحكمة الدستورية برقم 1/1983 بتاريخ 11/4/1983 – أي في اليوم التالي لقرار مجلس الوزراء – وقام الطلب على تفسير المادة (173) من الدستور، لبيان ما إذا كان هذا النص يسمح للقانون الخاص بتلك المحكمة، بإشراك عناصر غير قضائية أو عناصر سياسية في تشكيل المحكمة الدستورية، سواء من جانب مجلس الأمة أو من جانب الحكومة، أم أن ذلك يتجاوز حدود وأحكام النص الدستوري.ولأن أسباب اعتراض الحكومة على هذا الاقتراح – كانت من القوة في التدليل – على عدم جواز مخالفة النص الدستوري، وأن الرجوع إلى المذكرة التفسيرية غير مجد لورودها على خلاف عبارات نص المادة (173) من الدستور، فقد خشي جميع أعضاء المجلس من عرض طلب التفسير على المحكمة الدستورية لأسباب يفهمها أي متخصص في القانون الدستوري، فتم الضغط من جانب أعضاء مجلس الأمة على الحكومة لسحب طلب التفسير، وهذه واقعة تاريخية، لا يجادل أحد في حدوثها في تلك الفترة، وهي ثابتة في محاضر جلسات المجلس عام 1983.وفوق ما تقدم، فإن واضعي الاقتراح بوضع عضوين من خارج السلطة القضائية إلى تشكيل المحكمة الدستورية، لم يدركوا أن ضم عضو يعينه مجلس الأمة، وضم عضو آخر تعينه الحكومة إلى القضاة الخمسة أعضاء المحكمة، سوف يؤدي – لزوماً – إلى فقد الحيدة والنزاهة والاستقلال، فيما تفصل فيه المحكمة في طلبات تفسير النصوص الدستورية، لأن هذه الطلبات تقدم من الحكومة، أو مجلس الأمة، إذا ما غم على أيهما التطبيق السليم لنصوص الدستور.وتاريخ قضاء المحكمة الدستورية – منذ إنشائها بالقانون رقم 14/1973 – يشهد على أن أغلب طلبات التفسير التي قدمت إليها خلال فترة عملها حتى الآن، كانت من الحكومة بسبب وجود تيارات واتجاهات للأعضاء تصطدم بتفسير الحكومة لبعض مواد الدستور.ولا يجادل أحد في أن وجود عضو داخل تشكيل المحكمة يعينه مجلس الأمة، ووجود عضو آخر ضمن هذا التشكيل تعينه الحكومة، عند الفصل في طلب تفسير مقدم من أي من الجهتين، سوف يفتح الباب لنقل الخلاف بين الحكومة ومجلس الأمة داخل المحكمة، فلا نكون أمام قضاء محايد ومستقل، وإنما سوف تصبح المحكمة الدستورية امتداد لخلافات مجلس الأمة مع الحكومة، وهو ما أدى في بعض الدول الأوربية التي تأخذ بنظام الرقابة السياسية على دستورية القوانين إلى فشل هذا النوع من الرقابة.