التفاعل الكبير مع الحلقة الثانية من مسلسل «سيلفي - 2»، دفعني إلى مشاهدتها في اليوم التالي عبر الانترنت. ولكن ما شاهدته كان بعيداً عن سيناريو «معالجة الانقسام الطائفي بالكوميديا» الذي نسجته في مخيلتي بعد قراءة التعليقات على الحلقة. صحيح أن الحلقة تضمنت العديد من النقاط الايجابية التي قد تساهم في تخفيف الاحتقان المذهبي، ولكنها من منظور آخر شملت العديد من المقاطع التي سترسخ التخندق الطائفي.الفنان الكبير ناصر القصبي والفريق الفني الذي عمل معه، يستحقون الشكر على تناولهم موضوعاً حساساً من خلال انتاج فني تضمن بعض الرسائل الإيجابية، ومنها - على سبيل المثال - الحوار الذي دار بين عبدالزهراء وأبيه الحقيقي «البيولوجي» حول من يمتلك المنهج الحق. «يبا هم بعد يقولون انهم على منهج الحق. يبا أنا ما اخترت في يوم من الايام أن أكون ولدكم أو ولدهم، أنا ما اخترت أن أكون بالأمس شيعي واليوم سني... رب العالمين ما يرضى ان احنا نكره بعض».ولكن في المقابل، الحلقة كانت مليئة بحالات تقصير وسوء طرح، من منظور من يسعى إلى معالجة الشرخ الطائفي، ومن بينها مشهد سجود عبدالزهراء على التربة أثناء صلاته في بيته الجديد. فقد كنت اتوقع أن يوضح لنا عبدالزهراء، الرأي الشيعي الشرعي في شأن السجود على التربة. ولا أقصد بأنه كان على المؤلف أن يقنع غير الشيعة بصحة السجود على التربة، بل كان المفترض، تبيان أن الشيعة في سجودهم على التربة يتبعون سنة المصطفى - كما وصلت إليهم - وفيها أنه صلى الله عليه وآله، كان يسجد على الارض في صلواته. وكذلك الحال بالنسبة إلى اسم عبدالزهراء، تمنيت لو أن والده المعمم وضح للمشاهد أن عبودية ابنه للزهراء فاطمة عليها السلام، ليست عبودية المخلوق لخالقه بل كعبودية الرق. وترقبت أن يبين أن حب الشيعة للأسماء التي فيها اقرار بالعبودية لسيد البشرية أو معصوم من آل بيته، وحرصهم على السجود على التربة الحسينية الكربلائية، هما من وسائل ترسيخ ارتباطهم وتعلقهم بالنبي وآله، قربه إلى الله. هذه التوضيحات كانت ضرورية لأن الاطلاع على التراث الديني للمذاهب الاسلامية المناظرة ثبت كفاءته في ردم خنادق القتل على الهوية المذهبية، فالناس أعداء ما جهلوا.كما شابت الحلقة بعض المقاطع التي قد تزعزع الثقة بين الشيعة والسنة، أذكر منها حالة واحدة وهي قول المعمم لابنه يزيد «تروح الحسينية بس مو تفجرها». والواقع هو أن الشيعة يرحبون كثيرا بالمعزين السنة في حسينياتهم، بل أن معظم رجال الأمن المكلفين، حماية الحسينيات، من السنة.معظم التعليقات التي وصلتني في شأن الحلقة كانت تشيد بالمنهجية المقترحة لإنهاء الانقسام السني - الشيعي، ولكنني لم أجد فيها إلا اثنتين غير ناجعتين. الأولى مبنية على تعبد الله بخلاف ما نعتقد بأنه الشرع، من أجل تقليص مظاهر الاختلاف. فمثلاً الحلقة قدمت الأبوين كمتطرفين لأنهما حرصا على تعليم ابنيهما كيفية الصلاة وفق مذهبيهما. وأنا لست هنا بصدد تحديد كيفية الصلاة المقبولة عند الله سبحانه، ولكنني استغرب من أن تكون وحدتنا مشروطة بأن نصبح جميعا على مذهب واحد أو أن نتهاون في عباداتنا العلنية - ومنها الصلاة - فنؤديها وفق ما نعتقد بأنه مخالف للقرآن والسنة.أما المنهجية الثانية للتغلب على ما نعانيه من فتن طائفية، فقدمت من خلال حوار كوميدي اتفق فيه كل من عبدالزهراء ويزيد على الهجرة إلى الخارج. وهذا بالطبع لن يعالج الحالة الطائفية في مجتمعاتنا بل يقتصر على تخلصهما منها.للأسف، معظم مشاريع التقريب بين السنة والشيعة لا يمكنها أن تقضي على الازمة الطائفية المزمنة، وان نجحت بتخفيف الاحتقان خلال فترات قصيرة. فمن ينادي - مثلاً - بإبراز المشتركات بين المذهبين وتوسيع مساحتها، في الواقع يشغلنا في بناء برج جميل ولكن بهيكل هش. هذا الهيكل يمكن هدمه بسهولة وان كانت مساحة المشتركات فيه تصل إلى 99 في المئة من المعتقدات والعبادات، وذلك من خلال توظيف تساؤلات محورية منها هل وصى الرسول بالخلافة للإمام علي من بعده؟فالحل ليس في «عقلنة» العبادات ومنها الشعائر الحسينية، ولا في التنازل عن الثوابت العقدية، بل في الهجرة إلى الغرب، كما اقترح يزيد على عبدالزهراء. ولكن ليس في البعد المكاني بل في البعد الثقافي والقانوني. فيجب على مجتمعاتنا العربية والإسلامية محاكاة بيئة التعددية التي حصنت الغرب من الاحتقان الديني وتتصدى بحزم «وعلانية أمام الاعلام» لمظاهر التمييز الديني. ولتحقيق هذه الهجرة، علينا أن نجتاز الحواجز الخرسانية التي بنتها قوى الفساد وأن نخترق خطوط الأحزاب الدينية التي ستتضرر وتتقلص صلاحياتها ومكاسبها نتيجة لهذه الرحلة الاصلاحية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com