| القاهرة- من محمود متولي |
الحب فوق القمة... مثل الحب تحت السفح... لا يتغير... ولا يتبدل ولا يتلون... هو لمسة من السحر تمس القلوب فتطهرها... وومضة من الأمل تضيئها... وتغفل بها عن خطايا وذنوب الدنيا فلا يرى العشاق سواء كانوا فوق القمة أو أسفل السطح... سوى الحب والحبيب.
لكن يبقى غرام المشاهير، ونزواتهم أيضا كأنه سر من أسرار الدولة العليا... يغلفه المشاهير بالكتمان... سواء كانوا نجوم سياسة أو مال أو رياضة أو أدب أو فن... وأحياناً ينفضونه كأنه رجس من أعمال الشيطان، لا يهمهم غير أن تظل الستائر الكثيفة تخفيه وتخبئه عن عيون الفضوليين، لكن بعضهم يخرج أحيانا عن صمته... ويستدعي المأذون... ويسمح للصحف بنشر الخبر وللصور.
وأعظم ما في غرام المشاهير أن تخرج لتلامس شغف عيون الناس... أنه يسترد لهم إنسانيتهم... وضعفهم... ويجعل من الملوك رعايا، ومن الرعايا ملوكا!، وأحيانا لا يهدد العرش والصولجان... غير دقة قلب ينبض بها قلب «الرجل الأول» في الدولة... أو المملكة.
«الراي»... سبحت في دهاليز وكواليس غراميات ونزوات المشاهير، ورصدت آهات وعذابات وآلام ودقات قلوب كبار نجوم القمة والمشاهير... سواء كانوا من الرؤساء أو الملوك أو الشعراء أو الفنانين أو المفكرين... لكشف أدق أسرار الحياة الخاصة بهم من خلال هذه الحلقات... في السطور التالية.
ميّ... حكايتها معه كانت حكاية... عندما أحبها كان اسمها كبيرا... وشهرتها عريضة، وسمعتها تجاوز الحدود في عالم الأدب والفكر... بينما كان اسمه صغيرا، وشهرته لم تولد بعد... وسمعته في الأدب مازالت تحبو في مصر... لكنها أحبته وغرق هو في حبها إلى أذنيه... لكن الغيرة أفسدت كل شيء... لم تستطع ميّ أن تمنع إعجاب كبار النجوم والأدباء بها... وشغفهم على تتبع صالونها... لم تفكر في إحراج عشاقها ومعجبيها... كما أراد الأديب الصغير عباس محمود العقاد.
كانت واثقة من أن قلبها قد فضله على كل النجوم والمشاهير... لكنه سابق النجوم الكبار لكسب ودها... والفوز برضاها... وانتزاع بسمة منها كان يرضي غرورها كامرأة... نظم الشعراء فيها أحلى قصائد الغزل... وكتب الأدباء عنها أعظم رسائل الحب والغرام، لكن العقاد أرادها لنفسه... وكان يرعبها أنهما يتشاجران في اليوم «100» مرة... خشيت أن تتزوجه فيضع الحب الكبير في «خناقة» أو ينزلق على قشور الغيرة الملتهبة التي تملأ قلب الأديب الأسمر اللون.
عندما طلبها العقاد للزواج لم تمتنع... لكنها ردت تداعبه بأن زواجهما لا بد أن يتم في قسم بوليس لا مكتب مأذون... وأن عسكري الشرطة لا بد أن يعيش معهما بدلا من أن ينجبا طفلا يملأ عليهما حياتهما... هذا العسكري ستكون مهمته المحددة هي وقف المشاجرات وتحديد المعتدي والمجني عليه في كل مشاجرة!
وإذا كان العقاد قد وصف حبه لميّ بأنه كان أسعد أيام عمره. فإن سارة كانت امرأة من نوع آخر!
غيرة الكاتب
لم يكن اسمها «سارة»... لكن العقاد اختار لها هذا الاسم بعد أن تزوجت... وعندما بدأ ينشر قصتها غير اسمها الحقيقي... كيلا يفضحها أمام زوجها، وكان العقاد قد اندفع في حبها بلا هوادة... لم يتحكم في مشاعره نحوها.
استبد به غرامها... تحولت مواعيد غرامها إلى أزمان مقدسة يتحول فيها الكاتب الكبير إلى راهب... والموعد إلى محراب... وبالرغم من حب العقاد للأنثى التي حركت أحاسيسه وألهبت رغباته فإنها انصرفت عنه... وصادقت رجلا سواه... وكانت تتركه لتذهب إلى رجل لا يجيد القراءة والكتابة.
وعلم العقاد أنها غانية تتاجر بأنوثتها... فلم يتراجع... ظل وفيا لغرامها... حريصا على مواعيدها... عاشقا لجسدها... هائما في ليل نجواها، أما سارة فكانت تعترف بخيانتها لصديقاتها.... وتبررها بأن شك العقاد وغيرته عليها جعلتها تفقد الثقة بنفسها وتخون... بعد أن تأكدت من سقوطها من عيون الصقر الذي أحبها... وشغل نفسه بمراقبتها ليل نهار... ومعايرتها بالخيانة لقاء بعد لقاء.
هانم خليلي
أحبها العقاد عندما كانت فتاة مغمورة يناديها الناس باسمها الحقيقي هانم... كانت حبه الثالث والأخير... وكان أول رجل في حياتها تمنى لها أن تكون سيدة مجتمع مثل ميّ حبه الأول... وألا تكون بائعة هوى وامرأة خائنة مثل سارة حبه الثاني... وعندما اشتغلت بالسينما وغيرت اسمها إلى «م.ي»...أسقطها العقاد من قلبه وكتب قصيدة فيها يقول مطلعها: «خوني... فأنت أحلى من الوفاء؟!»
كانت آخر حب دق له قلب العقاد... وكان العقاد أول رجل شاغل قلبها.
عرفته وهي فتاة مراهقة... وكان هو نجم نجوم المجتمع المصري فهو الكاتب الفذ والمفكر العملاق والسياسي البارع القديم... وبالرغم من ذلك هربت من حبه... وتجاهلت رغبته في الزواج أكثر من مرة!
كانت أمنيته أن يجعل منها أديبة مثل ميّ ويراها جميلة مثل سارة. وكانت أمنيتها أن تلتحق بالسينما وتصبح ممثلة معروفة!
اسمها الحقيقي «هانم»...واسمها الذي عرفها الناس من خلاله... «م.ي»!
الصغيرة السمراء
قصتها مع العقاد غريبة... ومثيرة... كان يمكن ألا يحبها لو لم يقرأ الصحف الصادرة ذات صباح في القاهرة... وكان يمكن ألا يحبها أيضا لو اختلفت صورتها في الإعلان المنشور بالصحيفة عن طبيعتها حينما رآها وجها لوجه.
كان العقاد يطالع الصحيفة صدفة... لم يكن مهتما بما فيها من أخبار أو تحقيقات... كان ذهنه مشغولا بأفكار تطارد خاطره... وظن أن مطالعة الصحيفة سوف تجذبه من انشغاله لكنه ظل شاردا... وقعت عيناه على صورة فتاة سمراء صغيرة السن... لا يميزها غير عينيها الواسعتين.
كانت عيناها تبدوان وكأنهما ميناء لا تنجذب نحوه سوى السفن التي توشك على الغرق... توقف العقاد لحظة... لكنه وجد نفسه مضطرا للنظر إلى صاحبة الصورة مرات... ومرات... شيء ما في عينيها يشغله عن أفكاره... وعن المجلة... وعن نفسه... دق قلبه بعنف... ظنها لحظة عابرة... لكنه سرعان ما تأكد أنها لحظة العمر!
أمسك الكاتب الكبير بالمجلة وقرأ كلمات تحت الصورة... إعلان صغير يقول: «الاسم هانم خليلي... تلميذة بمدرسة التطريز بشبرا... مؤهلها الابتدائية... تهوى التمثيل».
كلمات بسيطة وعابرة لكنها خطفت قلب الأديب الذي أطاعته قواميس اللغة العربية ومفرداتها... كلمات صغيرة... ومباشرة... لكنها شقت قلب المفكر العملاق... كلمات قصيرة تدغدغ المشاعر وتوقظ العواطف النائمة، كيف لا وهي تتعلق بصاحبة أجمل عينين وقعت عليهما عينا العقاد.
سفينة العقاد التي غرقت في بحر الحب مرتين من قبل سفينة عملاقة... وعينا الفتاة الصغيرة ميناء الإنقاذ الذي يحتاج إلى جهد جهيد لتهبط عليه السفينة العملاقة.
ترك العقاد المجلة وانصرف إلى أمهات الكتب لكن صورة الفتاة الصغيرة تحولت إلى «عفريت» يطارده... يحتل كل الصفحات... ويمحو كل السطور... ويعبث بالحروف والكلمات فتتغير المعاني ويكف الكاتب الكبير عن مطالعة الكتاب إلى كتاب آخر ليتكرر نفس المشهد... عيناها أصبحت حوله في كل مكان... مرسومة فوق الحائط... تملأ شرفة المنزل... تطل من المجلدات والكتب... حتى عندما هرب إلى مطبخ منزله يطهو لنفسه قدحا من القهوة وجدها تسبقه إلى علبة السكر... تارة... وكنكة البن تارة أخرى.
حاول أن يطردها... أن يقاومها... باللين مرة... وبالعنف مرات...لكنه فشل بجدارة ورفع راية الاستسلام...عاد إلى مقعده الأول. امتدت يده مرة أخرى تلتقط الصحيفة وأمسكها في غيظ... طالع الصورة... حدثها بعذوبة وردت عليه في براءة... تخيل صوتها تسأله... «فيه إيه يا أستاذ؟!»... نهض واقفا. ارتدى ملابسه... خرج من منزله دون هدف... طاف بشوارع شبرا... ربما رآها... ربما كانت الحقيقة غير الصورة... لكن أين هي ؟
العقاد الذي تطارده الصحافة وتتسابق على أخباره وصوره يطارد سرابا مجهولا... لعبت فتاة صغيرة برأسه. ودار جمال عينيها بأفكاره التي تتلمذ عليها جيل بأكمله من المثقفين والمفكرين والأدباء.
تنهد العقاد عندما تصبب وجهه عرقا بحثا عن الفتاة الصغيرة في شوارع شبرا، وأمام مدرسة التطريز... ربما لم تأت اليوم... ربما انصرفت قبل الموعد... ربما انصرفت في الموعد وعادت إلى منزلها. لم ترحمه الأفكار. عاد إلى بيته مهموما. حزينا... مزق المجلة... لكن يده لم تطاوعه على تمزيق صورتها.
الأنثى المحيرة
في المساء حكى قصته مع الفتاة الصغيرة لتلاميذه، وهبوا جميعا من مقاعدهم... أحاطوا بكرسي العملاق... نظروا جميعا إلى الصورة... وكـأنهم يشاهدون الأهرامات للمرة الأولى... هذه الأنثى الصغيرة سبب حيرة المفكر الكبير ؟... فجأة صاح أحد التلاميذ: «أنا أعرف هذه الفتاة يا أستاذ».
صمت الجميع... اتسعت عينا العقاد... حلت الدهشة فوق ملامحه... ارتفع حاجباه... امتلأت عيناه بلهفة طفل أمام لعبة جميلة... اهتز جسده وسط ذهول تلاميذه من صفوة أهل الأدب والصحافة والشعر والفكر في مصر.
وقف العقاد في تلقائية... سار خطوة نحو تلميذه... أمسك يده في دفء أبوي... يسأله إن كان لا يمزح أو يداعب أو يناور... لكن التلميذ أكد لأستاذه أن «هانم» جارتهم في المسكن الذي يقطنون فيه بحيّ شبرا، وأنه سوف يخبرها بإعجاب المفكر الكبير بعينيها الواسعتين.
لكن العقاد قاطعه بنفس اللهفة الطفولية طالبا أن يراها!
وجاءت «هانم» إلى مجلس العقاد، لم تكن الصورة تختلف عن الحقيقة.
ترك الجميع مجلس العقاد... تركوه مع هانم وشقيقة تلميذ العقاد التي أحضرت «هانم» إلى مجلس العمالقة... كبار النجوم.
شعر العقاد أن الأمر ليس نزهة عاطفية... أو نزوة عملاق سرعان ما تتبدد... لقد سبقته مشاعره إلى الصغيرة التي لم تكن تفهم شيئا بعد... في الحياة والأدب ودنيا العقاد.
امتحنها العقاد دون أن يجرحها أو يحرجها أو يشعرها برهبة الموقف، وسألها عمن تقرأ لهم فارتبكت ولم تنطق... سألها عن طه حسين فنظرت إلى الأرض صامتة... حدثها عن شكسبير فتثاءبت... سألها إن كانت تعرف العقاد فابتسمت... لأنها لم تسمع عنه إلا وهي في الطريق إلى مجلسه، وقالت له «هانم» إنها تحب السينما وروايات الأفلام.
ضحكات الكاتب
وضحك العقاد فكادت جدران الحائط تنخلع... وشعرت «هانم» بأنها أمام زلزال أو بركان قد يعصف بكل شيء، لكن الأستاذ تدارك الموقف كيلا تفلت منه الصغيرة التي اكتشف أنها حجزت لها مقعدا دائما في قلبه... لذا سرعان ما عاد يطمئنها بكلماته وترحيبه الدافئ المستمر... تذكر بطلة مسرحية «بيجماليون» أو «سيدتي الجميلة» لبرناردشو.
لقد استطاع حبيبها المثقف أن يحولها من امرأة جاهلة مغمورة إلى نجمة تجيد الثقافة كما تجيد الأنوثة... قرر العقاد أن يجعل من هانم «بجماليون مصر». اقترح عليها أن يبدأ معها من الصفر... يعلمها ألف باء الثقافة... والحياة... والحب الذي أخفاه عنها وعن كل تلاميذه... وافقت «هانم» الصغيرة على أن تتعلم على يد العقاد بشحمه ولحمه.
وعندما سأله بعض أصدقائه... عن الجهد الذي سوف يبذله مع هذه الفتاة التي لم تنل غير الشهادة الابتدائية.
تكررت اللقاءات بين العملاق والصغيرة، وتحولت «هانم» إلى تلميذة في مدرسة العقاد، لكنها في قلب الأستاذ الكبير كانت آخر النساء... وأحلى حب... أحاطها العقاد بقصائد الشعر وكتب الأدب الغربي والشرقي والعربي... أسمعها الشعر الجاهلي... وألقى عليها الشعر الحديث... قرأ لها عن عظماء الفكر ومنحها كتب الأدب تقرأ منها كل يوم صفحة... يمتحنها فيها في اليوم التالي.
وبدأ المفكر العملاق ينهزم أمام حب السمراء الصغيرة، وعاوده السهاد والأرق... واستوطنته الهواجس... لم تكن حبيبته ميّ تغيب عن عينيه... ولم تكن حبيبته سارة قد رحلت عن قلبه وذكرياته بعد.
كأنه إذا مشى سارتا إلى جانبيه كطفلتين لا تبرحان أباهما... وإذا نام رقدتا إلى جواره إذا جلس حام طيفاهما حوله... وإذا تحدث شاركتاه الحديث... وإذا صمت احتلتا عينيه بسرعة البرق... لقد ذهبت كل منهما لحال سبيلها... لكن ذكريات ميّ وسارة تأبى الموت أو الرحيل عن العقاد.
ميّ كانت واحدة من أبرز المثقفات... وسارة واحدة من أبرز الخائنات... وبائعات الهوى!
كان العقاد يردد دائما أن (هانم) كانت تجمع بين ميّ وسارة... أو هكذا تمنى لها... أن تكون في عقل ميّ وأنوثة سارة!
لقد قفزت الفتاة السمراء الصغيرة لتحتل في قلب العقاد مكان «ميّ زيادة» العاقلة وسارة المجنونة !... ميّ العاقلة التي خشيت على حبها للعقاد من ملل الزواج وشكوك الأديب المبدع... وسارة المجنونة التي جعلت من العقاد واحدا من زبائن المتعة... يقف في نفس الطابور الذي يقف فيه البائع والتاجر والضابط واللص!
الأديب المعروف
ووقع العقاد في الخطأ نفسه... بدأ يتقرب إلى «هانم»... ويحكي لها عن سارة... ووجدت «هانم» نفسها مبهورة باهتمام صاحب الاسم الكبير في عالم الأدب... وولعه بها... وجنونه باقترابها منه... لكن الأمور لم تتحرك وفقا لإرادة عباس محمود العقاد!
يقول الكاتب الصحافي الكبير مصطفى أمين بعد أن عايش جانبا هائلا من حكاية العقاد وبنت شبرا السمراء:
كان من الممكن أن تحبه لو كانت أكبر سنا مما هي عليه... ولولا أنه حاصرها... وأصبح يراقب حركاتها... ويتتبع خطواتها ! كانت تذهل من أنه كان يعرف كل شيء عنها... متى خرجت؟ متى دخلت؟ متى عادت؟ أين ذهبت؟ وخيل لها في وقت من الأوقات أن كل تلاميذ العقاد قد أصبحوا مباحث ومخابرات تقدم تقارير يومية عن تصرفاتها.
بل خيل إليها أحيانا أن كل قراء العقاد يعملون عيونا عليها، ذات يوم طلب والدها منها أن تقابله في ساعة معينة في محل الحلواني «أسدية» بشارع فؤاد «وسط القاهرة»... وذهبت إلى الموعد ففوجئت بالعقاد جالسا مع أبيها... تراجعت إلى الوراء فزعة... كيف استطاع العقاد أن يعثر على أبيها وأن يتعرف عليه... وأن ينشئ صداقة معه... فهمت أن العقاد يريد أن يعرف كل شيء عنها حتى ما يجري داخل بيتها... وازداد فزعها وخوفها من هذا الحب الذي يضيق عليها الخناق.
لم تفكر أن تخونه. وإنما فكرت أن تهرب منه.
شعرت أنها تهرب من جنة لها أسوار عالية تحولها إلى جحيم... كل خطواتها محسوبة... كل كلماتها مراقبة... كل حركاتها موضع سؤال أو تحقيق دقيق... وكان يناجيها بالشعر... وكانت تفهم شعره حينا... ولا تفهمه أحيانا... ومع كل هذا الحب كان لا يثق فيها... ولا يطمئن لها... ويسألها في القصيدة... «أوفيت لي؟».
وكان يجيب عنها قائلا: «كلا!» أحيانا يلوم نفسه لأن الخريف عشق الربيع رجل كبير يحب فتاة صغيرة...وأحيانا يصف هذا الحب بأنه أحمق... ويقول إن افتتانه بهذه الصغيرة هو العجب العجاب.
وكان يريد منها أن تلازم بيتها... ولا تخرج منه إلا لتذهب إليه... ولا تزور أحدا ولا يزورها أحد... وذات يوم طلب منها أن تصنع له «بلوفر»...ووقفت فوق الكرسي تأخذ مقاسه... وصحبها إلى محل في شارع سليمان باشا أمام سينما مترو، واشترى معها الإبر والصوف... وفهمت أنه يريد أن يبقيها في البيت حتى تنتهي من صنع البلوفر.
فقد كان طويل القامة عملاقا... وكان عريض المنكبين... فهمت أنه يحتاج إلى عدة شهور لتبقى في البيت... لا تخرج منه... وعادت إلى محل الصوف في شارع سليمان باشا وأعطته مقاس العقاد والصوف... وطلبت من المحل أن يصنع البلوفر.
وتم صنع البلوفر... وكان العقاد يريدها أن تفكر فيه في كل «شكة إبرة»... ولم يفت هذا الاحتيال على ذكاء العقاد...واكتشف أنها لم تصنع له البلوفر كما كان يتمنى، بل أعطته لمصنع بلوفرات.
وانهال عليها بالأسئلة والاستجوابات... كان محققا بارعا ومخبرا صحافيا لماحا، وما زال بها حتى اعترفت بما فعلته... ويومها نظم قصيدة يقول لها فيها: «خوني... فأنت أحلى من الوفاء»
كان يحس أنها القيثارة التي يعزف عليها ألحانه... وفجأة يشعر أنها ليست قيثارته وحده... وأن آخرين عزفوا عليها كما عزف هو ! ويقول: «حطمتها... ولا أقول آسفا... ولا أقول راضيا... ولكنني إن لم أحطمها... حطمتني!»
الحب العجيب
هذا الحب العجيب الذي ملأ قلب العملاق كان يدهش أصدقاءه... كانوا لا يفهمون كيف ينسجم الكاتب الجبار مع هذه التلميذة الصغيرة ؟ كيف يتفاهم هذا العالم العلامة مع فتاة لم تحصل إلا على الشهادة الابتدائية.
وكان العقاد يضحك ويقول: «انتظروا عشر سنوات وستجدونها عند طه حسين».
غيرة عمياء
وكان يثور بطريقة مخيفة إذا كذبت عليه... ذات مرة رأت أن تذهب إلى «جروبي» مع بعض صديقاتها، وفوجئت به أمامها... وكان عقلها صغيرا، فلم تفهم من كل هذا أنه دليل على هواه الجامح... بل فهمته على أنه غيرته العمياء... لم تفهم أنه يحاصرها ليحتفظ بها... وإنما فهمت أنه يضيق عليها الخناق ليخنقها.
وكان يحكي لها أدق تفاصيل حياته وخصوصياته... وإيراداته... وكم يأخذ من كل كتاب يؤلفه... وكان يريدها أن تكون مثل كل امرأة أحبها... وليست كواحدة منهن.
قال لها إنه أحب في ميّ ذكاءها وأنها كانت سيدة مجتمع... وأنه يريدها مثلها... وأنه لم يحب في سارة خيانتها... لكنه يريدها أن تكون مثلها !... وعندما تسأله من تكون هي في عينيه «ميّ» الملاك أم سارة «الشيطان»؟!... كان يقول لها العقاد:
- «أنت الاثنان معا... عندما تكونين بعيدة عني أتصورك شيطانا، وعندما تكونين بين ذراعىّ أراك ملاكا»
لكن ما الكذبة الكبرى التي ضحكت بها «هانم» الصغيرة على العقاد الكاتب الجبار؟!
كيف افترقا ؟ وكيف أصبحت «هانم» هي نفسها الممثلة السينمائية «م.ي»؟
وماذا فعل العقاد؟
يقول مصطفى أمين: «استطاعت أن تغافل العقاد... قرأت أن «أفلام عبد الوهاب» تبحث عن وجوه جديدة... وأفهمت العقاد أنها ذاهبة لتزور خالتها... وذهبت إلى مكتب عبد الوهاب وقبلوها في الفيلم الجديد.
واتصلت بالعقاد تليفونيا وقالت له:
الحب فوق القمة... مثل الحب تحت السفح... لا يتغير... ولا يتبدل ولا يتلون... هو لمسة من السحر تمس القلوب فتطهرها... وومضة من الأمل تضيئها... وتغفل بها عن خطايا وذنوب الدنيا فلا يرى العشاق سواء كانوا فوق القمة أو أسفل السطح... سوى الحب والحبيب.
لكن يبقى غرام المشاهير، ونزواتهم أيضا كأنه سر من أسرار الدولة العليا... يغلفه المشاهير بالكتمان... سواء كانوا نجوم سياسة أو مال أو رياضة أو أدب أو فن... وأحياناً ينفضونه كأنه رجس من أعمال الشيطان، لا يهمهم غير أن تظل الستائر الكثيفة تخفيه وتخبئه عن عيون الفضوليين، لكن بعضهم يخرج أحيانا عن صمته... ويستدعي المأذون... ويسمح للصحف بنشر الخبر وللصور.
وأعظم ما في غرام المشاهير أن تخرج لتلامس شغف عيون الناس... أنه يسترد لهم إنسانيتهم... وضعفهم... ويجعل من الملوك رعايا، ومن الرعايا ملوكا!، وأحيانا لا يهدد العرش والصولجان... غير دقة قلب ينبض بها قلب «الرجل الأول» في الدولة... أو المملكة.
«الراي»... سبحت في دهاليز وكواليس غراميات ونزوات المشاهير، ورصدت آهات وعذابات وآلام ودقات قلوب كبار نجوم القمة والمشاهير... سواء كانوا من الرؤساء أو الملوك أو الشعراء أو الفنانين أو المفكرين... لكشف أدق أسرار الحياة الخاصة بهم من خلال هذه الحلقات... في السطور التالية.
ميّ... حكايتها معه كانت حكاية... عندما أحبها كان اسمها كبيرا... وشهرتها عريضة، وسمعتها تجاوز الحدود في عالم الأدب والفكر... بينما كان اسمه صغيرا، وشهرته لم تولد بعد... وسمعته في الأدب مازالت تحبو في مصر... لكنها أحبته وغرق هو في حبها إلى أذنيه... لكن الغيرة أفسدت كل شيء... لم تستطع ميّ أن تمنع إعجاب كبار النجوم والأدباء بها... وشغفهم على تتبع صالونها... لم تفكر في إحراج عشاقها ومعجبيها... كما أراد الأديب الصغير عباس محمود العقاد.
كانت واثقة من أن قلبها قد فضله على كل النجوم والمشاهير... لكنه سابق النجوم الكبار لكسب ودها... والفوز برضاها... وانتزاع بسمة منها كان يرضي غرورها كامرأة... نظم الشعراء فيها أحلى قصائد الغزل... وكتب الأدباء عنها أعظم رسائل الحب والغرام، لكن العقاد أرادها لنفسه... وكان يرعبها أنهما يتشاجران في اليوم «100» مرة... خشيت أن تتزوجه فيضع الحب الكبير في «خناقة» أو ينزلق على قشور الغيرة الملتهبة التي تملأ قلب الأديب الأسمر اللون.
عندما طلبها العقاد للزواج لم تمتنع... لكنها ردت تداعبه بأن زواجهما لا بد أن يتم في قسم بوليس لا مكتب مأذون... وأن عسكري الشرطة لا بد أن يعيش معهما بدلا من أن ينجبا طفلا يملأ عليهما حياتهما... هذا العسكري ستكون مهمته المحددة هي وقف المشاجرات وتحديد المعتدي والمجني عليه في كل مشاجرة!
وإذا كان العقاد قد وصف حبه لميّ بأنه كان أسعد أيام عمره. فإن سارة كانت امرأة من نوع آخر!
غيرة الكاتب
لم يكن اسمها «سارة»... لكن العقاد اختار لها هذا الاسم بعد أن تزوجت... وعندما بدأ ينشر قصتها غير اسمها الحقيقي... كيلا يفضحها أمام زوجها، وكان العقاد قد اندفع في حبها بلا هوادة... لم يتحكم في مشاعره نحوها.
استبد به غرامها... تحولت مواعيد غرامها إلى أزمان مقدسة يتحول فيها الكاتب الكبير إلى راهب... والموعد إلى محراب... وبالرغم من حب العقاد للأنثى التي حركت أحاسيسه وألهبت رغباته فإنها انصرفت عنه... وصادقت رجلا سواه... وكانت تتركه لتذهب إلى رجل لا يجيد القراءة والكتابة.
وعلم العقاد أنها غانية تتاجر بأنوثتها... فلم يتراجع... ظل وفيا لغرامها... حريصا على مواعيدها... عاشقا لجسدها... هائما في ليل نجواها، أما سارة فكانت تعترف بخيانتها لصديقاتها.... وتبررها بأن شك العقاد وغيرته عليها جعلتها تفقد الثقة بنفسها وتخون... بعد أن تأكدت من سقوطها من عيون الصقر الذي أحبها... وشغل نفسه بمراقبتها ليل نهار... ومعايرتها بالخيانة لقاء بعد لقاء.
هانم خليلي
أحبها العقاد عندما كانت فتاة مغمورة يناديها الناس باسمها الحقيقي هانم... كانت حبه الثالث والأخير... وكان أول رجل في حياتها تمنى لها أن تكون سيدة مجتمع مثل ميّ حبه الأول... وألا تكون بائعة هوى وامرأة خائنة مثل سارة حبه الثاني... وعندما اشتغلت بالسينما وغيرت اسمها إلى «م.ي»...أسقطها العقاد من قلبه وكتب قصيدة فيها يقول مطلعها: «خوني... فأنت أحلى من الوفاء؟!»
كانت آخر حب دق له قلب العقاد... وكان العقاد أول رجل شاغل قلبها.
عرفته وهي فتاة مراهقة... وكان هو نجم نجوم المجتمع المصري فهو الكاتب الفذ والمفكر العملاق والسياسي البارع القديم... وبالرغم من ذلك هربت من حبه... وتجاهلت رغبته في الزواج أكثر من مرة!
كانت أمنيته أن يجعل منها أديبة مثل ميّ ويراها جميلة مثل سارة. وكانت أمنيتها أن تلتحق بالسينما وتصبح ممثلة معروفة!
اسمها الحقيقي «هانم»...واسمها الذي عرفها الناس من خلاله... «م.ي»!
الصغيرة السمراء
قصتها مع العقاد غريبة... ومثيرة... كان يمكن ألا يحبها لو لم يقرأ الصحف الصادرة ذات صباح في القاهرة... وكان يمكن ألا يحبها أيضا لو اختلفت صورتها في الإعلان المنشور بالصحيفة عن طبيعتها حينما رآها وجها لوجه.
كان العقاد يطالع الصحيفة صدفة... لم يكن مهتما بما فيها من أخبار أو تحقيقات... كان ذهنه مشغولا بأفكار تطارد خاطره... وظن أن مطالعة الصحيفة سوف تجذبه من انشغاله لكنه ظل شاردا... وقعت عيناه على صورة فتاة سمراء صغيرة السن... لا يميزها غير عينيها الواسعتين.
كانت عيناها تبدوان وكأنهما ميناء لا تنجذب نحوه سوى السفن التي توشك على الغرق... توقف العقاد لحظة... لكنه وجد نفسه مضطرا للنظر إلى صاحبة الصورة مرات... ومرات... شيء ما في عينيها يشغله عن أفكاره... وعن المجلة... وعن نفسه... دق قلبه بعنف... ظنها لحظة عابرة... لكنه سرعان ما تأكد أنها لحظة العمر!
أمسك الكاتب الكبير بالمجلة وقرأ كلمات تحت الصورة... إعلان صغير يقول: «الاسم هانم خليلي... تلميذة بمدرسة التطريز بشبرا... مؤهلها الابتدائية... تهوى التمثيل».
كلمات بسيطة وعابرة لكنها خطفت قلب الأديب الذي أطاعته قواميس اللغة العربية ومفرداتها... كلمات صغيرة... ومباشرة... لكنها شقت قلب المفكر العملاق... كلمات قصيرة تدغدغ المشاعر وتوقظ العواطف النائمة، كيف لا وهي تتعلق بصاحبة أجمل عينين وقعت عليهما عينا العقاد.
سفينة العقاد التي غرقت في بحر الحب مرتين من قبل سفينة عملاقة... وعينا الفتاة الصغيرة ميناء الإنقاذ الذي يحتاج إلى جهد جهيد لتهبط عليه السفينة العملاقة.
ترك العقاد المجلة وانصرف إلى أمهات الكتب لكن صورة الفتاة الصغيرة تحولت إلى «عفريت» يطارده... يحتل كل الصفحات... ويمحو كل السطور... ويعبث بالحروف والكلمات فتتغير المعاني ويكف الكاتب الكبير عن مطالعة الكتاب إلى كتاب آخر ليتكرر نفس المشهد... عيناها أصبحت حوله في كل مكان... مرسومة فوق الحائط... تملأ شرفة المنزل... تطل من المجلدات والكتب... حتى عندما هرب إلى مطبخ منزله يطهو لنفسه قدحا من القهوة وجدها تسبقه إلى علبة السكر... تارة... وكنكة البن تارة أخرى.
حاول أن يطردها... أن يقاومها... باللين مرة... وبالعنف مرات...لكنه فشل بجدارة ورفع راية الاستسلام...عاد إلى مقعده الأول. امتدت يده مرة أخرى تلتقط الصحيفة وأمسكها في غيظ... طالع الصورة... حدثها بعذوبة وردت عليه في براءة... تخيل صوتها تسأله... «فيه إيه يا أستاذ؟!»... نهض واقفا. ارتدى ملابسه... خرج من منزله دون هدف... طاف بشوارع شبرا... ربما رآها... ربما كانت الحقيقة غير الصورة... لكن أين هي ؟
العقاد الذي تطارده الصحافة وتتسابق على أخباره وصوره يطارد سرابا مجهولا... لعبت فتاة صغيرة برأسه. ودار جمال عينيها بأفكاره التي تتلمذ عليها جيل بأكمله من المثقفين والمفكرين والأدباء.
تنهد العقاد عندما تصبب وجهه عرقا بحثا عن الفتاة الصغيرة في شوارع شبرا، وأمام مدرسة التطريز... ربما لم تأت اليوم... ربما انصرفت قبل الموعد... ربما انصرفت في الموعد وعادت إلى منزلها. لم ترحمه الأفكار. عاد إلى بيته مهموما. حزينا... مزق المجلة... لكن يده لم تطاوعه على تمزيق صورتها.
الأنثى المحيرة
في المساء حكى قصته مع الفتاة الصغيرة لتلاميذه، وهبوا جميعا من مقاعدهم... أحاطوا بكرسي العملاق... نظروا جميعا إلى الصورة... وكـأنهم يشاهدون الأهرامات للمرة الأولى... هذه الأنثى الصغيرة سبب حيرة المفكر الكبير ؟... فجأة صاح أحد التلاميذ: «أنا أعرف هذه الفتاة يا أستاذ».
صمت الجميع... اتسعت عينا العقاد... حلت الدهشة فوق ملامحه... ارتفع حاجباه... امتلأت عيناه بلهفة طفل أمام لعبة جميلة... اهتز جسده وسط ذهول تلاميذه من صفوة أهل الأدب والصحافة والشعر والفكر في مصر.
وقف العقاد في تلقائية... سار خطوة نحو تلميذه... أمسك يده في دفء أبوي... يسأله إن كان لا يمزح أو يداعب أو يناور... لكن التلميذ أكد لأستاذه أن «هانم» جارتهم في المسكن الذي يقطنون فيه بحيّ شبرا، وأنه سوف يخبرها بإعجاب المفكر الكبير بعينيها الواسعتين.
لكن العقاد قاطعه بنفس اللهفة الطفولية طالبا أن يراها!
وجاءت «هانم» إلى مجلس العقاد، لم تكن الصورة تختلف عن الحقيقة.
ترك الجميع مجلس العقاد... تركوه مع هانم وشقيقة تلميذ العقاد التي أحضرت «هانم» إلى مجلس العمالقة... كبار النجوم.
شعر العقاد أن الأمر ليس نزهة عاطفية... أو نزوة عملاق سرعان ما تتبدد... لقد سبقته مشاعره إلى الصغيرة التي لم تكن تفهم شيئا بعد... في الحياة والأدب ودنيا العقاد.
امتحنها العقاد دون أن يجرحها أو يحرجها أو يشعرها برهبة الموقف، وسألها عمن تقرأ لهم فارتبكت ولم تنطق... سألها عن طه حسين فنظرت إلى الأرض صامتة... حدثها عن شكسبير فتثاءبت... سألها إن كانت تعرف العقاد فابتسمت... لأنها لم تسمع عنه إلا وهي في الطريق إلى مجلسه، وقالت له «هانم» إنها تحب السينما وروايات الأفلام.
ضحكات الكاتب
وضحك العقاد فكادت جدران الحائط تنخلع... وشعرت «هانم» بأنها أمام زلزال أو بركان قد يعصف بكل شيء، لكن الأستاذ تدارك الموقف كيلا تفلت منه الصغيرة التي اكتشف أنها حجزت لها مقعدا دائما في قلبه... لذا سرعان ما عاد يطمئنها بكلماته وترحيبه الدافئ المستمر... تذكر بطلة مسرحية «بيجماليون» أو «سيدتي الجميلة» لبرناردشو.
لقد استطاع حبيبها المثقف أن يحولها من امرأة جاهلة مغمورة إلى نجمة تجيد الثقافة كما تجيد الأنوثة... قرر العقاد أن يجعل من هانم «بجماليون مصر». اقترح عليها أن يبدأ معها من الصفر... يعلمها ألف باء الثقافة... والحياة... والحب الذي أخفاه عنها وعن كل تلاميذه... وافقت «هانم» الصغيرة على أن تتعلم على يد العقاد بشحمه ولحمه.
وعندما سأله بعض أصدقائه... عن الجهد الذي سوف يبذله مع هذه الفتاة التي لم تنل غير الشهادة الابتدائية.
تكررت اللقاءات بين العملاق والصغيرة، وتحولت «هانم» إلى تلميذة في مدرسة العقاد، لكنها في قلب الأستاذ الكبير كانت آخر النساء... وأحلى حب... أحاطها العقاد بقصائد الشعر وكتب الأدب الغربي والشرقي والعربي... أسمعها الشعر الجاهلي... وألقى عليها الشعر الحديث... قرأ لها عن عظماء الفكر ومنحها كتب الأدب تقرأ منها كل يوم صفحة... يمتحنها فيها في اليوم التالي.
وبدأ المفكر العملاق ينهزم أمام حب السمراء الصغيرة، وعاوده السهاد والأرق... واستوطنته الهواجس... لم تكن حبيبته ميّ تغيب عن عينيه... ولم تكن حبيبته سارة قد رحلت عن قلبه وذكرياته بعد.
كأنه إذا مشى سارتا إلى جانبيه كطفلتين لا تبرحان أباهما... وإذا نام رقدتا إلى جواره إذا جلس حام طيفاهما حوله... وإذا تحدث شاركتاه الحديث... وإذا صمت احتلتا عينيه بسرعة البرق... لقد ذهبت كل منهما لحال سبيلها... لكن ذكريات ميّ وسارة تأبى الموت أو الرحيل عن العقاد.
ميّ كانت واحدة من أبرز المثقفات... وسارة واحدة من أبرز الخائنات... وبائعات الهوى!
كان العقاد يردد دائما أن (هانم) كانت تجمع بين ميّ وسارة... أو هكذا تمنى لها... أن تكون في عقل ميّ وأنوثة سارة!
لقد قفزت الفتاة السمراء الصغيرة لتحتل في قلب العقاد مكان «ميّ زيادة» العاقلة وسارة المجنونة !... ميّ العاقلة التي خشيت على حبها للعقاد من ملل الزواج وشكوك الأديب المبدع... وسارة المجنونة التي جعلت من العقاد واحدا من زبائن المتعة... يقف في نفس الطابور الذي يقف فيه البائع والتاجر والضابط واللص!
الأديب المعروف
ووقع العقاد في الخطأ نفسه... بدأ يتقرب إلى «هانم»... ويحكي لها عن سارة... ووجدت «هانم» نفسها مبهورة باهتمام صاحب الاسم الكبير في عالم الأدب... وولعه بها... وجنونه باقترابها منه... لكن الأمور لم تتحرك وفقا لإرادة عباس محمود العقاد!
يقول الكاتب الصحافي الكبير مصطفى أمين بعد أن عايش جانبا هائلا من حكاية العقاد وبنت شبرا السمراء:
كان من الممكن أن تحبه لو كانت أكبر سنا مما هي عليه... ولولا أنه حاصرها... وأصبح يراقب حركاتها... ويتتبع خطواتها ! كانت تذهل من أنه كان يعرف كل شيء عنها... متى خرجت؟ متى دخلت؟ متى عادت؟ أين ذهبت؟ وخيل لها في وقت من الأوقات أن كل تلاميذ العقاد قد أصبحوا مباحث ومخابرات تقدم تقارير يومية عن تصرفاتها.
بل خيل إليها أحيانا أن كل قراء العقاد يعملون عيونا عليها، ذات يوم طلب والدها منها أن تقابله في ساعة معينة في محل الحلواني «أسدية» بشارع فؤاد «وسط القاهرة»... وذهبت إلى الموعد ففوجئت بالعقاد جالسا مع أبيها... تراجعت إلى الوراء فزعة... كيف استطاع العقاد أن يعثر على أبيها وأن يتعرف عليه... وأن ينشئ صداقة معه... فهمت أن العقاد يريد أن يعرف كل شيء عنها حتى ما يجري داخل بيتها... وازداد فزعها وخوفها من هذا الحب الذي يضيق عليها الخناق.
لم تفكر أن تخونه. وإنما فكرت أن تهرب منه.
شعرت أنها تهرب من جنة لها أسوار عالية تحولها إلى جحيم... كل خطواتها محسوبة... كل كلماتها مراقبة... كل حركاتها موضع سؤال أو تحقيق دقيق... وكان يناجيها بالشعر... وكانت تفهم شعره حينا... ولا تفهمه أحيانا... ومع كل هذا الحب كان لا يثق فيها... ولا يطمئن لها... ويسألها في القصيدة... «أوفيت لي؟».
وكان يجيب عنها قائلا: «كلا!» أحيانا يلوم نفسه لأن الخريف عشق الربيع رجل كبير يحب فتاة صغيرة...وأحيانا يصف هذا الحب بأنه أحمق... ويقول إن افتتانه بهذه الصغيرة هو العجب العجاب.
وكان يريد منها أن تلازم بيتها... ولا تخرج منه إلا لتذهب إليه... ولا تزور أحدا ولا يزورها أحد... وذات يوم طلب منها أن تصنع له «بلوفر»...ووقفت فوق الكرسي تأخذ مقاسه... وصحبها إلى محل في شارع سليمان باشا أمام سينما مترو، واشترى معها الإبر والصوف... وفهمت أنه يريد أن يبقيها في البيت حتى تنتهي من صنع البلوفر.
فقد كان طويل القامة عملاقا... وكان عريض المنكبين... فهمت أنه يحتاج إلى عدة شهور لتبقى في البيت... لا تخرج منه... وعادت إلى محل الصوف في شارع سليمان باشا وأعطته مقاس العقاد والصوف... وطلبت من المحل أن يصنع البلوفر.
وتم صنع البلوفر... وكان العقاد يريدها أن تفكر فيه في كل «شكة إبرة»... ولم يفت هذا الاحتيال على ذكاء العقاد...واكتشف أنها لم تصنع له البلوفر كما كان يتمنى، بل أعطته لمصنع بلوفرات.
وانهال عليها بالأسئلة والاستجوابات... كان محققا بارعا ومخبرا صحافيا لماحا، وما زال بها حتى اعترفت بما فعلته... ويومها نظم قصيدة يقول لها فيها: «خوني... فأنت أحلى من الوفاء»
كان يحس أنها القيثارة التي يعزف عليها ألحانه... وفجأة يشعر أنها ليست قيثارته وحده... وأن آخرين عزفوا عليها كما عزف هو ! ويقول: «حطمتها... ولا أقول آسفا... ولا أقول راضيا... ولكنني إن لم أحطمها... حطمتني!»
الحب العجيب
هذا الحب العجيب الذي ملأ قلب العملاق كان يدهش أصدقاءه... كانوا لا يفهمون كيف ينسجم الكاتب الجبار مع هذه التلميذة الصغيرة ؟ كيف يتفاهم هذا العالم العلامة مع فتاة لم تحصل إلا على الشهادة الابتدائية.
وكان العقاد يضحك ويقول: «انتظروا عشر سنوات وستجدونها عند طه حسين».
غيرة عمياء
وكان يثور بطريقة مخيفة إذا كذبت عليه... ذات مرة رأت أن تذهب إلى «جروبي» مع بعض صديقاتها، وفوجئت به أمامها... وكان عقلها صغيرا، فلم تفهم من كل هذا أنه دليل على هواه الجامح... بل فهمته على أنه غيرته العمياء... لم تفهم أنه يحاصرها ليحتفظ بها... وإنما فهمت أنه يضيق عليها الخناق ليخنقها.
وكان يحكي لها أدق تفاصيل حياته وخصوصياته... وإيراداته... وكم يأخذ من كل كتاب يؤلفه... وكان يريدها أن تكون مثل كل امرأة أحبها... وليست كواحدة منهن.
قال لها إنه أحب في ميّ ذكاءها وأنها كانت سيدة مجتمع... وأنه يريدها مثلها... وأنه لم يحب في سارة خيانتها... لكنه يريدها أن تكون مثلها !... وعندما تسأله من تكون هي في عينيه «ميّ» الملاك أم سارة «الشيطان»؟!... كان يقول لها العقاد:
- «أنت الاثنان معا... عندما تكونين بعيدة عني أتصورك شيطانا، وعندما تكونين بين ذراعىّ أراك ملاكا»
لكن ما الكذبة الكبرى التي ضحكت بها «هانم» الصغيرة على العقاد الكاتب الجبار؟!
كيف افترقا ؟ وكيف أصبحت «هانم» هي نفسها الممثلة السينمائية «م.ي»؟
وماذا فعل العقاد؟
يقول مصطفى أمين: «استطاعت أن تغافل العقاد... قرأت أن «أفلام عبد الوهاب» تبحث عن وجوه جديدة... وأفهمت العقاد أنها ذاهبة لتزور خالتها... وذهبت إلى مكتب عبد الوهاب وقبلوها في الفيلم الجديد.
واتصلت بالعقاد تليفونيا وقالت له: