قرأت رواية «الدرك الأعلى» لخالد النصرالله - من إصدار «دار نوفا بلس»، وهي رواية مميزة جدا - فشعرت فيها أن الكاتب تجاوز روايته الأولى بمراحل، وقدم نتاجا جديدا على صعيد المضمون واللغة.الرواية تضمنت أربعة مستويات أو عوالم:1 - عالم الموت الذي يرسم فيه الناص صورا جديدة نابعة من عصف ذهني خاص وافتراضات تجاوزت النقليات والمعارف.2 - عالم الأحياء والمعاش الراهن المتمثل بهموم المجتمع عبر عدة أصوات وشرائح متنوعة.3 - عالم افتراضي عبر رواية ضمن رواية، تجلت فيه روح الكاتب حيث التشكيل السردي والتطرق لمراحل كتابة الرواية وانفعلاتها و منحياتها الصاعدة و الهابطة.4 - عالم الأحلام و المنامات والرؤى المبشرة والمنذرة.هذه المستويات الأربعة شكلت بتناغم عملا روائيا مميزا، ورغم أن العوالم تتداخل فيما بينها وتتقاطع في أمور عدة مثل شخصيتي (أبي طارق وشخصية أيمن) الحاضرتين في الواقع وفي الرواية المفترضة، ومثل الرؤى والأحلام التي شكلت أُس العمل الروائي الداخلي وقُدمت في عالم الواقع ضمن أحلام (الطالبة ذات النبوءة) إلا أنه كما يظهر كانت سطوة العوالم الغيبية أكبر من الواقع الصرف. وهذا ما يعطي الرواية جانبا تخيليا يقوم على أثر تقبل المتلقي وانسجامه وتعاطيه مع النص من دون البحث عن الحقائق المجردة فالعمل كما كرر الناص مرارا لا يستند على حقائق- وإن قدم الواقع بهمومه حقيقيا جدا- بل يتشكل وفق نظرة المتلقي وتقبله.ورغم هذا فقد عثرت على بعض الركائز الملفتة في النص، خصوصا في ما يتعلق بالفارق بين عالم المادة والمعنى، ويتجلى ذلك في الحوار الدائر بين شخصية (الرجل الميت) وبقية الشخصيات الميتة الأخرى كفتحي وزوجة الأخ، حيث يقدم الناص مقارنات جديرة بالتأمل بين عالم الأحياء والأموات كالمشاعر والنظرة الانطباعية تجاه الأمور، التفكير، تبريرات الأفعال وحتى الوقت الذي لا يخضع لقوانين المادة الطبيعية.اللغة والسردقدم القاص الرواية بلغة واضحة غير متكلفة تناسب الغرض السردي، لكنها لغة متينة مميزة، كما أنه استخدم أساليب السرد الثلاثة في رواية واحدة:عالج الواقع بأسلوب الراوي العليم، وعالج أحوال الميت (شخصية النص) عبر أسلوب تيار الوعي.وقدم الرواية الضمنية عبر أسلوب المخاطَب، والحقيقة أنها قدرة تبين تمكن الكاتب من أدواته وحسن إدارته للعمل الروائي.كنت أنتقل بخفة بين الفقرات والأحداث والأزمنة من دون التعثر بإبهام ما وهذا من الجوانب الملفتة في البناء السردي للرواية.الشخصياتنحن في رحلة مع شخصيات عدة، نجح الكاتب في إيصالها لنا، وتمكننا حسب المتاح في النص أن نفهم طبيعة الشخوص، أشعر- حسب قراءتي البسيطة - أن النص لم يتعبني، حيث لم تكن هنالك مساحات مسكوت عنها وبحاجة إلى التنقيب والبحث في دواخلها واستبطانها، على العكس، كنت أشعر أني أتماهى مع الشخوص وأتفهم سلوكياتهم وربما أعذر البعض وأدين الآخر بقوة، لا يعني أن النص يخلو من دهشة التشويق أو أن المتلقي لا يسعى - عبر الخط السردي - للحظة الكشف، على العكس فالعمل يمسك باهتمام القارئ مبكرا جدا، لكن وكما قال الناص في الرواية: «الأمور تسير نحو خط واضح جلي، ولعلها لم تتغير منذ البداية». ص 236.وربما كانت الأسماء والنعوت من أبرز ما يلفت النظر في تركيبة العمل، فنحن نتعاطى طيلة الوقت مع الرجل الميت والصاحب البغيض والطالبة الغريبة، من دون أسماء مخصصة، كأن الكاتب يعطي مجالا أوسع لهذه الشخصيات وتأثيراتها و انطباعاتها، خصوصا و أننا نلحظ أنه تقصد أن تبقى هذه الشخصيات من دون أسماء، بينما أعطى تسميات لغيرها مثل، ليلى، وليد وناصر، وحتى شخصيات هامشية مثل «أبي أيمن».أحببت تقديم الكاتب لأكثر من شريحة في المجتمع بحيث يصور بعض الحالات الخاصة من دون التوغل فيها، فهو يرفقها كومضة تقتطف من تأمل و تفكير المتلقى كأن تقول الشخصية: أنا موجودة في مجتمعك، حولك و قربك، عليك أن تلتفت إلي! وذلك من دون إثقال يخل بنسيج العمل.«الدرك الأعلى» رواية مميزة، تقدم تساؤلات عديدة من العنوان الملفت إلى القفلة المطمئنة.