| كتب منصف غازي حمزة |
/>يقول الدكتور علي وطفة (أستاذ علم الاجتماع في جامعتي الكويت ودمشق) في معرض ترجمته لكتاب «الهوية» لمؤلفه «اليكس ميكشيللي»:.. «عندما شرع الإنسان يبحث عن كينونته وذاته ليحدد هويته سقط في دوامات الثنائيات الساذجة اللامتناهية، فالإنسان جسد وروح، الإنسان عقل وشهوة، الإنسان مادة ووعي، تلك هي بعض الثنائيات المقترحة التي انطلق منها الإنسان لإدراك نفسه ووعي ذاته».
/>هذه الرؤية بفكرتها وتعقيداتها هي التي قام على أساسها المسلسل السوري «ليس سراباً»، بكل ما فيها من تشعبات وتناقضات وحتى تصادمات في كثير من الأحيان، خصوصا في ظل العقول المُسيطر عليها فكرياً (وغالباً فكراً دينياً) والمسيطِرة بحكم وضعها الإنساني، كأب مثلاً يريد تحريك من هم تحت سطوته بحسب ما يعتقد وبحسب ما يراه صحيحاً.
/>وبما أننا شعوب عقائدية بالدرجة الأولى، وعاطفية بالدرجة الثانية، فإن وجود أحدنا في مجتمع يحتضن عدة ديانات وبالتالي هويات وثقافات، يجعله في كثير من الأحيان في رحلة «إثبات» دائمة للـ «أنا» الخاصة والـ «نحن» العائدة للمجموعة التي ينتمي إليها، وفي ذات الوقت يجعله هذا «الإثبات» في صراع داخلي مع ما ينتمي إليه من جهة، وإنسانيته التي يشترك فيها مع الآخرين من مجموعات ثانية بكل تفاصيلها من جهة ثانية.
/>الاختلاف العقائدي الذي يفرض قوانينه على الإنسان، الحب، والعلاقات الإنسانية المتشابكة، هي المحاور التي قام عليها بناء المسلسل السوري ليس « سراباً» ومثل هذه المحاور من النادر أن يتصدى لها عمل درامي، خصوصاً في ظل التجاذبات التي تفرضها عقليات معينة وتعمل على تعزيزها سياسات عدة، بوعي منها أو بغيره. فهل نجح القائمون على المسلسل في تقديم هذا الصراع بصورة مقنعة للجمهور؟
/>سمو الطرح
/>المسلسل لم يقدم مناظرة بين مجموعتين تنتميان إلى دينين مختلفين (الإسلامية والمسيحية) لإظهار صحة أو بطلان إحداهما، ومن الواضح إن هذا لم يكن من اهتمامات القائمين على العمل، لأن هدف المسلسل كان الإنسان، الإنسان... بكل حالاته العاطفية والجسدية والعقلية، السابحة في محيط يفرض قوانين عقائدية تتعارض مع كينونته كإنسان، وهنا يتجلى الصراع بين العقل والعاطفة، بين الفرد وانتمائه، بين ما تحبه كفرد وبين مورثاتك المتأصلة في جماعة تنتمي إليها، سواء كانت دينية أو غيرها.
/>المسلسل قدم القيمة الدرامية التي يجب أن تتضمن عوامل جاذبة تؤدي إلى تجاوب المشاهد مع ما يطرح، وذلك من خلال حيوات أشخاص ينتمون إلى ديانات مختلفة ويشتركون في محيط واحد بكل ما فيه من تفصيلات تفرض غالباً نوعاً من التصادم بفعل ذلك الاختلاف، ولكن «وبذكاء» لم يقدم المسلسل الخلاف لأجل تقديم التباين، ولكنه عرض إلى «الإنسان» في ظل ذلك الخلاف، وهنا نلمس سمو الطرح الذي ذهب إليه مؤلف العمل وصائغ السيناريو والحوار فادي قوشقجي .
/>المعالجة الدرامية
/>ارتكز العمل إلى عدة خطوط درامية تسير بالتوازي دون طغيان خط على آخر، ولكل خط أهميته وقيمته الفكرية الكبيرة، فمثلاً لم تطغ قصة الحب والزواج التي جمعت بين الكاتب المسلم والسيدة المسيحية على قصة الصحافي المسيحي الذي يملك مجلة تحارب موضوعاتها العصبية الدينية على اختلاف مرجعياتها، وكفاحه للحفاظ على استقلالية المجلة وعدم رضوخها للعبة الإعلام الموجه بحكم سلطة مال الإعلان. ومن جهة ثالثة يقدم المسلسل خطاً غاية في الأهمية وهو علاقة الجيل الشاب بكل ما هو موجود حوله من أفكار موروثة وسياسات مفتعلة تجعله يلجأ إلى المساحات الضيقة التي يراها صحيحة، مبتعداً عن المساحات الشاسعة التي يراها خاطئة.
/>كل هذه الخطوط الدرامية الدقيقة قدمها المسلسل بصورة سلسلة جعلت العمل يبدو كمعزوفة موسيقية ممتعة برغم ما تقدمه من ألحان موجعة، وذلك من خلال أداء تمثيلي ساحر جعل المشاهد يعيش الحالات الإنسانية بكل أبعادها الحسية والجسدية، وسيناريو ذهب بالحركة الدرامية إلى التماهي مع الواقع إلى حد اقتربت فيه من إلغاء الخلفية المخزنة بعقل المشاهد عن العمل التلفزيوني، وجاء الإخراج المميز «للمخرج المثنى صبح» ليكمل الصورة الجميلة التي ظهر فيها العمل.
/>«ليس سراباً» قدم صورة واقعية تماماً تهتم بجملة أحداث عاشتها مجموعة من الناس ضمن حدود الوقت الذي يقتضيه العمل الدرامي، وبرغم عرضه لأهم قضية تمس الجانب العقائدي لكل إنسان، وخاصة العربي، إلا انه استطاع أن يذهب بالمشاهد إلى مساحة التفاعل الإنساني الخالص مع الشخصيات بعيداً عن انتماءاتها الدينية والفكرية، وهنا رأينا «خاصية الصدمة» التي يحتاجها كل عمل درامي لينجح، ولكن بسلاسة رائعة جعلت المشاهد مشدوداً إلى كل لحظة تعيشها شخوص العمل، ولامساً التفصيلات الدقيقة والأساسية التي تعيشها الشخصية وتقتضيها انفعالات الموقف.. والحدث.
/>ومن أساسيات العمل المهمة هو الحوار المكتوب بعناية شديدة، حيث ابتعد عن التسطيح والتلقين، وركّز على الحالة الحوارية الواقعية التي يعيشها أي فرد في مجتمع مشابه، وصبت الكلمات والجمل في صالح تحريك القصة وجعل الممثلين متمكنين من الشخصيات التي يؤدونها، كما أن الحوار ابتعد عن الكلمات اللامعة التي نجدها في كثير من الأعمال العربية، ظناً من القائمين على تلك الأعمال أن للكلمات اللامعة أثراً عند المتلقي، في حين أن لا صدى لتلك الكلمات عند المشاهد العربي لأنه بصراحة.. وبكل بساطة لا يتكلم هكذا في حياته أيا كان الموقف الذي يوجد فيه، ومن هنا فإن الحوار الذي نسمعه في «ليس سراباً» هو حوارنا نحن، وكلماتنا، حتى لو اختلفنا في اللهجات ربما.
/>المسلسل هو النجم
/>خالد تاجا، سلوم حداد، عباس النوري، كاريس بشار، لورا أبوأسعد، ضحى الدبس، سلاف معمار ،نجاح سفكوني ،نبيلة النابلسي وغيرهم من نجوم الصف الأول في سورية كلهم مشاركون في العمل، ولكل شخصية يؤديها أحدهم لها خطها الدرامي وقصتها، ما جعل كلا منهم بطلاَ، وبذات الوقت لم يشعر المشاهد أن المسلسل يتمحور حول واحدة من تلك الشخصيات، فظهر الجميع أبطالاً وكان العمل برمته هو النجم، وطبعاً هذا لم يكن لينجح لولا القضية المهمة التي تناولتها قصة المسلسل، وقناعة الممثلين بأن لكل منهم دوره المهم بغض النظر عن مساحته والأسماء الأخرى المشاركة في التمثيل، وبهذا ارتقى الجميع بالعمل، وارتقى هو بفكرته وأبطاله.
/>لعبة التسويق
/>من بين المسلسلات الرمضانية التي تُعرض هذا العام نستطيع القول إن مسلسل «ليس سراباً» هو الأهم على الإطلاق، وذلك للقضية المهمة التي يتطرق لها والتي تلامس كل إنسان عربي من المحيط إلى الخليج، ولتقديمه تجسيداً حقيقياً لمقولة إن «الفن الرسالة»، هذه المقولة التي بات كثير من القائمين على الدراما العربية لا يأتون على ذكرها لقناعتهم أن الفن بات «تجارة»، وكل جهة منتجة تبحث عن الربح دون غيره، ومعايير الربح طبعاً ابتعدت كثيراً عن «رسالة الفن»، وهنا يبرز دور التوزيع الذي يسوق للأعمال الدرامية من جهة، والمحطات الفضائية التي تبنت في أغلبها أعمالاً لا ترتقي حتى لمستوى المشاهدة، معتمدين طبعاً على اسم النجم الذي يقوم ببطولة العمل، أو لصفقات تتم من تحت الطاولة، وهذا طبعاً يأتي على حساب الأعمال الجيدة التي تستحق المشاهدة.
/>وأخيراً يمكننا القول إن مسلسل «ليس سراباً» هو تحفة فنية تستحق المشاهدة.
/>