كما قلنا عن المرأة عند طلال حمزة من خلال المقطع السابق إنها إنسانة تقاسمه همومه وأنثى يتلذذ في الاتصال بها عاطفيّاً، غير أنها في مقطع آخر من نصوصه الشعرية تمتزج بالشعر والحضور والسفر بين سطور دفاتره.توه الليمون يستوعب وجودهاصفرارهأطلقي أول شرارهفي هشيمي..غمضي عيونك وهيميفي صحاري دفترييا بنت هيميهنا لا تبتعد المرأة عن أجواء طلال حمزة الشعرية، فهي التي كانت الإنسان الذي يقاسمه همومه والمحبوبة التي يتمنى البقاء معها والتلذذ بالتواصل معها، ها هي في هذا المقطع تتمدد معه لتكون ملهمته الشعرية التي تمنحه القصيدة وتبث الحياة في دفاتره التي ظلت جافة وجرداء «صحاري دفتري» لتتحول في ما بعد إلى شيء جميل يتباهى به بين الناس.كانوا الليلة حضورييسمعونييوم أرتل..ما تيسر من جمالكفي قصيدة..حيث اختلطت هنا المرأة بالشعر وامتزجت بعبير الكلمات وعجين الدفاتر ونكهة السطور، وقد كانت هذه الحالة أكثر شمولية عند فهد عافت الذي امتزجت لديه الأنثى بالأرض والوطن والذات.أرتب لهجتي يا أجمل ضيوفيوأهيّل قهوتي وتهيلين عتاب!تصبين الدرايش في عيونيو(الرسايل) و(الجدايل)و(القبايل) و(القوايل)والكلام الحلو..والأحباب!وأضمكسالفة (غوص) فبحة الشيّابأضمك..شيطنة طفلإن ضحك: يجمع من عيونك أرانبوإن بكى:((ت..ت..ك..س..ر)) الألعابأضمك حيل في (حوش العشيش)و(ضرتين) وهفهفات ثياب!أضمك في الأغاني..لا ارتفع صوت الأغانيو(الهوى غلاب)أضمك داخلي يا داخليشنطة كتب فصلوطباشير وشغب طلابالمرأة من خلال هذا المقطع تتجاوز حدود المرأة كإنسان أو كأنثى معشوقة لتمتزج في صخب الحياة وضجيج الذاكرة، ويكون الشاعر هو الراصد لكل هذه التداعيات، حيث إن المرأة لم تعد من خلال هذا الكلام تلك القطعة الرخامية التي يتمدد فوقها الجسد ليمارس عليها ما يريد من الحياة وما لا يريد.فالمرأة هنا لم تعد تلك المرأة النمطية التي لا ترى إلا من زوايا معينة وفق ما تمليه نزوات الجسد، رغم أن فهد عافت حاذق في هذا المجال، وقد تحدثت عن هذا الجانب في شعره، غير أنه في هذا المقطع امتزجت المرأة لديه بالذات والأرض والذكريات، فكانت له الوطن والذات في جميع مراحلها العمرية من شيطنة الأطفال إلى شغب الطلاب في المدارس.لقد بدأ الإحساس بالأنثى من أول المقطع «أرتب لهجتي» هذه اللهجة التي تدل على اللغة واللسان والهوية الثقافية باعتبار أن القادم إليه «أجمل ضيوفي» مازجاً هذا الانتماء الثقافي العام بخصوصية أخرى «أهيل قهوتي» حيث دمج في هذه الصياغة بين الهيل والقهوة ليمنح هذه المرأة خصوصية أخرى، خصوصية اجتماعية لا تقل عن اللهجة التي تدل على الخصوصية الفردية، مازجاً بعد ذلك بين خصوصية المكان «الدرايش، القوايل» وخصوصية العلاقة بينه وبينها «الجدايل، الرسايل» ثم نراه بعد هذا المزج يعمل على ربط الصحراء بالبحر «القبايل، غوص» بالإضافة إلى تداعيات المشهد الحياتي الذي مر به الشاعر «حوش العشيش، الأغاني، الهوى غلاب، شنطة كتب، طباشير، شغب طلاب» إذ تتعدد معه المشاهد تضيق ثم تتسع وتتسع ثم تضيق. لقد رأى كل هذا الزخم الإنساني في هذه المرأة التي ظل يردد لها في أكثر من مرة «أضمك» وهو يستدعي لحظة انتظارها كل تداعيات الذات والإنسان والوطن في داخله «أضمك داخلي يا داخلي».غير أن هذا التصور لعلاقته بالأنثى لا يكاد يكتمل في أغلب نصوصه، وذلك أن تعامل الشعراء مع الأنثى نابع من ذهنية شرقية عربية، وهو النظر إليها كقطعة حلوى شهية بحاجة إلى من يقتضمها أو بحاجة إلى كل إنسان أن يأكلها كل على طريقته، لكن فهد عافت يختلف عن غيره من الشعراء حول مسألة الحذاقة الجنسية، وذلك أنه يغلف هذا التوجه في نصوصه بحذاقة شعرية سلاحها مهاراته في تعامله مع اللغة الشعرية لديهقلت أحبك..قلتي قربنا..رميت هدومك وقمنا نطبش بالسماتـ ط بـ يـ شقلتي لو تمرغنا بناقلت: احبكقلتي: جربناهنا نلمح الحذاقة عند فهد عافت في إمكانية غرس كل منهما بالآخر من خلال الكلمات التي فتحت مساحات للتخيل والتأمل في هذا الوضع القائم بين اثنين يتبادلان الغرام في معزل عن العالم، متخذين من السماء بحراً يسبحان بها ويعومان فيها، حيث كانت كلمة «أحبك» التي أطلقها الشاعر هنا إنما جاءت كتعبير عن وصف حالة حصلت «رميت هدومك - قمنا نطبش» أو تصور إمكانية حدوث حالة «لو تمرغنا بنا» وهذا المسلك يختلف عند الشاعر عن قوله: «أضمك» التي جاءت أكثر من مرة، إذ إنها ذكرت من أجل استدعاء حالة، لا من أجل أنها جاءت كتفسير لحدوث حالة كما في هذا المقطعلبستي..واكتشفنا - لما ردينا ولا.. لاحظ أحدحجم العمى!!هناك ازدواجية شرقية أو ازدواجية رجولية عامة لا ترتبط بمكان أو زمان، وهي ما بين «رميت هدومك، وبين لبستي» حيث إنه في الأول كان أداة الفعل أو القوة الفاعلة نظراً لأهمية الأنثى لديه، أما في الثانية فتركها «تلبس هدومها» لأن دورها بالنسبة إليه انتهى. وهذا الفعل ليس مقصوراً على الشاعر دون سواه، إذ إن الأهمية تكون قبل أو أثناء الممارسة لا بعدها، وهذا ما يفسر النظرة الجسدية للأنثى، لكنها ليست تلك النظرة الحادة أو الموقف الذي يصل درجة الإزعاج النفسي كما هو الحال عند خالد قماش، لأن عافت يجيد السير بين المتناقضات، لهذا نجده يتمرجح بين رغبات الجسد وطلبات الروح، وقادراً أن يكون هنا كما هو هناك.