| القاهرة - من سمر سعد |
غدت صناعة النجوم واحتضان المواهب، وشمولها بالرعاية والتربية... سواء في الفن أو غيره من المجالات الأخرى... فنا وفكرا وعلما واحترافا... في زمننا الحالي، بالرغم من أنها أمر قديم، ولكن دخل عليها حتما التطوير... في إطار أن كل شيء تبدل وتطور.
وإذا كانت المساعدات والمساندات... والدفعة الأولى - في أيام زمن الفن الجميل - كانت «حاضرة»... كثير أيضا من نجوم الجيل الحالي في الفن تحديدا، يقف وراءهم جهات إنتاجية كبيرة، أو مديرو أعمال على درجة عالية من الكفاءة والدراية والخبرة، التي تمكنهم من توجيه الفنان بصورة أقرب للمثالية، وتختصر كثيرا من الخطوات.
قد يكون صانع النجم «منتجا أو مخرجا أو مدير أعمال»، أو أحد أفراد أسرته، لكنه يكون في جميع الأحوال أشبه ببطارية الطاقة بالنسبة للفنان، وهو الذي ينسق خطواته، ويشاركه الرأي في اختيار أعماله، ويحدد له أوقات ظهوره إعلاميا.
وهذا ما يحدث تحديدا الآن، غير أن الأمر يبدو مختلفا منذ عقود عدة، حيث كانت الأمور تترك للصدفة أو القدر، فكم من فنان حقيقي، لم يكن يدرك أن بداخله موهبة كامنة، تريد من يستفزها ويضعها على الطريق الصحيح، وربما كان حدد مصيره في مهن ومجالات أبعد ما تكون عن الفن، ولكن خبرة منتج أو مخرج أو فنان كبير، هي التي تنتشله مما هو فيه، وتقدمه للفن، وينطلق، ويصبح بين عشية وضحاها من كبار النجوم.
حدث هذا مع «تحية كاريوكا ونجلاء فتحي ورشدي أباظة ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز» وغيرهم، ممن سنتناولهم في هذه الحلقات التي سنتعرف من خلالها على البدايات الأولى لـ 15 فنانا من نجوم الصف الأول، وكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وأصحاب الأيادي البيضاء عليهم، الذين كانوا لا يبخلون بالتوجيه والنصيحة لوجه الفن، وليس لوجه شيء آخر، وأيضا ننتهي بـ «صانعة النجوم»... هذه التي وهبت حياتها... لتصنع نجوما، وتضعهم في الصفوف الأولى... والحكايات كثيرة.


بدأت الفنانة فاتن حمامة طفلة في «يوم سعيد» للسينما المصرية... لكن الطفلة أنيسة التي أدهشت موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب... والمخرج الشهير محمد كريم... سرعان ماكبرت... ونضجت وتألقت نجوميتها... حتى صارت «سيدة الشاشة العربية» فاتن حمامة، التي منحت جمهور السينما العربية 50 عاماً من متعة الفن، قدمت خلالها أكثر من مائة فيلم حافلة بمشاعر الفرح والحزن... والألم والضحك والعذوبة والعذاب.
وفي هذه الحلقة نتعرف على أهم من شاركوا في مشوار فاتن حمامة وصنعوا نجوميتها ذات الطابع الخاص جدا.
بدأت فاتن في فيلم «يوم سعيد - العام 1939» رابع أفلام محمد عبدالوهاب، والذي أخرجه «محمد كريم»... وأفضل من يتحدث عن فاتن هو كريم الذي يعتبر أول من اكتشفها ولقنها الدرس الأول في فن التمثيل السينمائي.
محمد كريم
كريم قال في أرشيفه: «لم أكن أتصور أن فاتن حمامة هي التي ستخرج لي من بين الصور التي كنت أحتفظ للهواة لأجدها بملابس التمريض في مجلة الإثنين ضمن مسابقة أجمل أزياء الأطفال تحمل سنواتها السبع كل ذكاء البراءة» .
هذه الصورة حملت كريم على الاتصال بوالدها أحمد افندي حمامة الذي حضر مع فاتن إلى مكتب «أفلام عبدالوهاب»، حيث أجرى لها كريم تجربة سينمائية سريعة فوجد أمامه طفلة ممتازة من جميع النواحي... طفلة أشبه بالمعجزة الأميركية «شيرلي تمبل»، والتي كانت معاصرة لفاتن حمامة في الوقت ذاته.
كان دور «أنيسة»، الدور الذي ستؤديه فاتن في الفيلم، من الأدوار الثانوية القصيرة الذي لا يتطلب ظهور صاحبته على الشاشة أكثر من دقائق سريعة، ولكن إزاء ما شاهده كريم من موهبة عندها... قرر أن يعيد كتابة سيناريو الفيلم في كل ما يخص دورها.
... وعبد الوهاب
وقالت فاتن عن هذا الفيلم في مذكراتها: إنها لا تنسى الموسيقار محمد عبد الوهاب، عندما مثلت معه في «يوم سعيد»، فقد كان ينطلق ضاحكاً كلما أتيت بحركة أو تلفظت بكلمة، ما جعلني أتضايق منه وأمضي إلى المخرج محمد كريم، أشكو له عبد الوهاب وأطلب منه استبداله بشخص آخر، «إلا أن كريم أفهمني بأن شريكي في التمثيل لا يسخر مني، بل إنه سعيد بقيامي بهذا الدور».
وتابعت: «وفي مشهد آخر... اشترك معنا فيه فؤاد شفيق... وكعادة عبد الوهاب لم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك، فغضبت منه بشدة، وقمت برفع أصبعي الصغير في الهواء وقلت لعبد الوهاب بصوت عالٍ «إنت راح تشتغل كويس ولا نجيب غيرك»، ولم يضحك عبد الوهاب وحده .
وبعد «يوم سعيد»... غابت فاتن حمامة 3 أعوام كاملة، ولكن عاد واستعان بها المخرج محمد كريم من جديد في فيلم آخر بعنوان «رصاصة في القلب» الذي عرض في عام 1944، بعدها اشتركت مع حسين صدقي وصباح في فيلم (أول الشهر ـ 1945) ... ومرة ثالثة مع محمد كريم في فيلم (دنيا) أمام راقية إبراهيم و أحمد سالم.
وتوالت الأفلام لتبدأ فاتن مرحلة أخرى من حياتها الفنية مع شخص آخر تدين له بالفضل وهو الفنان الكبير يوسف وهبي، الذي وجد نفسه معجبا بفاتن حينما كان بصدد إخراج فيلم «ملاك الرحمة ـ 1946» ليستدعيها لتقف أمام الفنانة راقية إبراهيم، والتي بدورها وجدت أن تلك الطفلة قد سرقت الأضواء منها بالرغم من قيامها ببطولة الفيلم.
الأب... أحمد أفندي
في مرحلة الصبا والشباب والانطلاق... بدأت فاتن حمامة بمجموعة من الأفلام تمثل المرحلة الأولى من حياتها الفنية، بداية بأول أفلامها، عندما قدمت الطفلة الذكية المرحة، مروراً بأفلام رصاصة في القلب و«أول الشهر» و«ملاك الرحمة»... حيث مرحلة الصبا وتفتح الموهبة وتطور الشخصية، لكن بهدوء واتزان ومن دون أن تكون هناك أدوار تستحق التأمل ... مجرد فتاة حلوة ذكية، تضفي جوا من المرح والأمل والتفاؤل على باقي شخصيات الفيلم، كما شاهدنا ذلك في أفلام «نور من السماء» و«الملاك الأبيض» و«المليونيرة الصغيرة» و«كانت ملاكاً».
وبعد عرض فيلم (ملاك الرحمة) تلقت فاتن أول رسالة من معجب وكان من سورية أسهب كثيراً في وصف نفسه، وتحدث عن ثروته، ثم أنهى الخطاب بطلب الزواج، فأسرعت إلى والدها وهي خائفة جدا... وأعطته الخطاب فقرأه بهدوء ثم ابتسم.
وقال: «توقعي أن يصلك كثير من هذه الرسائل بعد الآن... ونصحها بألا تهتم بالمضمون ولكن لابد أن ترد بأدب ولباقة، وقال لها: هذا واجبك نحو المعجبين وحقهم عليك... ثم اصطحبها إلى مصور معروف التقط لها صورا عدة في أوضاع مختلفة وطلب من المصور أن يطبع 500 نسخة من كل لقطة، فسألته عن سبب هذه الكمية الكبيرة فقال: إن خطابات المعجبين ستزداد كل يوم عن الآخر، وسوف يطلبون صورك، ويجب ألا تتأخري عنهم».
ومنذ ذلك اليوم لم تتأخر في الرد على أي رسالة تصلها وتحققت توقعات والدها بالفعل بعد مشاركتها في 5 أفلام دفعة واحدة عام 1946 وهي «ملاك الرحمة» و«ملائكة في جهنم» و«الملاك الأبيض» و«الهانم» و«دنيا» وثلاثة أفلام أخرى عام 1947 وهي «نور من السماء» و«القناع الأحمر» و«أبو زيد الهلالي».
فأصبحت فنانة مشهورة وراحت الصحف والمجلات تنشر صورها وأخبارها وأصبح لها جمهور عريض، وصارت تتلقى كل يوم عشرات الرسائل، وكانت أغلب الخطابات التي تصلها من معجبين تحمل عروضاً للزواج حتى وصل عدد العرسان في عام واحد هو 1947 حوالى 3000 عريس فهل تصدقون هذا الرقم 3 آلاف شخص في عام واحد أبدوا رغبتهم في الارتباط بها.
مخرج الروائع
عندما كبرت الطفلة فاتن، وتجاوزت مرحلة المراهقة قدمت أفلام الحب العذري، مثل «وداعاً ياغرامي، سلوا قلبي، خلود، ارحم دموعي، أيامنا الحلوة، حب ودموع، حتى نلتقي وبين الأطلال»... حيث جسدت، أحلام فتاة العشرين، بكل ما فيها من تطلع إلى الحب والزواج.
ومن بعدها انتقلت إلى مرحلة الميلودراما البكائية وبدأتها مع شخص أثر في مشوارها الفني كثيرا وهو المخرج «حسن الإمام»، والذي قدمها في العديد من الأفلام مثل «ملائكة في جهنم، اليتيمتين، ظلموني الناس، أنا بنت ناس، أسرار الناس، زمن العجايب، كأس العذاب، حب في الظلام والملاك الظالم».
وقد حصرت فاتن حمامة نفسها فترة كبيرة في هذه النوعية من أفلام الميلودراما البكائية، في شخصية الفتاة المسكينة التي تواجه المصاعب والعقبات والأقدار، عاجزة عن تجاوزها إلى أن ينتصر الخير في نهاية الفيلم، فتنتصر معه.
هنري بركات
وعملت فاتن حمامة مع المخرج «هنري بركات» في 7 أفلام وكان له أثر كبير وواضح في علامات وأفلام فاتن حمامة حيث قدمها في فيلم (دعاء الكروان)، وهو من بين أفضل الأفلام التي قدمتها السينما المصرية ... فبالرغم من مرور عقود عدة - أكثر من ثلاثين عقدا - على عرضه الأول إلا أن بريق هذا الفيلم لايزال باقيا حتى اليوم، وقد ساهم في استمرار هذا البريق عناصر فنية عدة، أهمها ذلك الأداء المذهل الذي قامت به فاتن حمامة والسيناريو والحوار الذي كتبه (يوسف جوهر)، ثم الإخراج الذي قام به بركات.
من المعروف للمتابعين لإنتاج السينما المصرية، بأن فاتن حمامة وبركات ـ بعد هذا الفيلم ـ قد كونا ثنائياً يعتبر من أنجح الثنائيات بين ممثلة ومخرج، بل إن أفضل أعمال الاثنين، منذ «دعاء الكروان»، هي التي جمعتهما معاً .
وفيلم «الحرام» يؤكد هذا، فقد كان الثنائي في أفضل حالاته... حيث اعتبر «الحرام» من بين أفضل ما أنتجته السينما المصرية، واستحق الترتيب الرابع في قائمة أفضل عشرة أفلام في تاريخ هذه السينما .
ففيلم «الحرام» قد أتاح لبطلته أن تقدم للسينما دوراً كبيراً وخالداً، وصلت به إلى مرتبة النجوم العالميين العظام . وسيظل فيلم «الحرام» عملاً فنيا خالداً، يقترب كثيراً من الكمال، ما جعله مؤهلاً لأن يشرف السينما المصرية أثناء عرضه في مهرجان «كان» الدولي عام 1965 حيث حظي بإعجاب الجمهور والنقاد على السواء...
الزوج والأستاذ
قدمت فاتن حمامة مجموعة كبيرة من أعمالها مع المخرج عز الدين ذو الفقار والتي انبهرت به كثيرا في عام 1947 أثناء تصوير فيلم «أبو زيد الهلالي» وأثمر الزواج عن ابنتهما نادية التي مثلت مع فاتن في أحد أفلامها التلفزيونية الذي حمل اسم «حكاية وراء كل باب».
استمر زواج فاتن وعزالدين حتى عام 1954، حين وقع الطلاق، والسبب كما قالت فاتن في أحد حواراتها التلفزيونية: «كانت علاقتي بعز الدين ذو الفقار علاقة تلميذة مبهورة بحب الفن وانجذبت لأستاذ كبير يكبرها بأعوام عديدة».
وعند الحديث عن مشوار فاتن حمامة يمكننا هنا الإشارة - ولو بشكل موجز - إلى تجربتها مع المخرج العالمي «يوسف شاهين» فلهذا المخرج دور كبير في تغيير حياة فاتن حمامة سواء الفنية أو الشخصية.
حيث عملت معه في أولى تجاربه الإخراجية بفيلم ( بابا أمين ـ 1950»... ثم تألقت في أفلامه الأخرى، كدورها في فيلمي «صراع في الوادي»، و«صراع في الميناء».
أما عن الناحية الشخصية وزواجها من الفنان العالمي عمر الشريف... فكانت صدفة ومن خلال يوسف شاهين... فقد بدأت القصة بعد فشل أول فيلم جمعها بيوسف شاهين وهو «بابا أمين» الذي سبق زمنه بأعوام طويلة ولم يحقق نجاحاً جماهيريا وقت عرضه.
أزمة فيلم
فاتن قالت: وبعد فترة من انتهاء أزمة هذا الفيلم وفشله، وجدت شاهين يتصل بي ليعرض عليّ العمل معه في فيلم آخر، ولأنني كنت معجبة بفكره وعقله لم أتردد، وسألته عن الأبطال فقال لي: محمود المليجي وفريد شوقي... لكن البطل «ولد» جديد... فسألته عن اسمه فتهرب من ذكر اسمه.
وقال سوف تشاهدينه بالطبع، فألححت عليه لمعرفة اسمه... فقال هو شاب مهذب رياضي... وكاد صبري ينفد فوجدته يقول لي: ميشيل شلهوب، فضحكت بشدة وقلت له هذا اسمه؟! هو أجنبي ولا إيه؟! فقال لها اطمني غيرت اسمه وأسميته «عمر الشريف»...
وانتهت المحادثة ومرت فترة حتى شاهدته للمرة الأولى، ووجدته أمامها وجهاً لوجه، ووقفت في مكانها بضع دقائق وشعرت أمام كلماته الرقيقة في أول لقاء أنها تلميذة صغيرة تستمع إلى أول عبارة إعجاب، بالرغم من أنه علق فقط على صوره كان الفنان صلاح طاهر رسمها لها ببراعة وعلقتها على الحائط الرئيسي بالشقة.
وتبادلا الحديث وعرفت أنه ليست له خبرة كممثل محترف لكنه كان رئيساً لفريق التمثيل في مدرسته، ولكن الحقيقة أنه من أول لقاء تغير حالها تماماً، ومرت أيام حتى بدأت تصوير أول فيلم جمعهما معاً وهو «صراع في الوادي» وتأكدت أثناء التصوير من حبها له.
وانتهى الأمر بالزواج بعد أن أشهر إسلامه العام 1955، واشتركا معاً في بطولة عدد كبير من الأفلام مثل «أيامنا الحلوة»، و«صراع في الميناء»، و«لا أنام»، و«سيدة القصر» و«النهر الخالد» وغيرها، ورزقت منه بابنه الوحيد طارق بعد عامين من الزواج وهو يعيش حالياً في أميركا مع زوجته الكندية حلم.
وانفصلت فاتن عن عمر الشريف ووقع الطلاق بينهما... مع منتصف الستينات، حين انشغل عمر بعمله في السينما العالمية. أما زوج الفنانة فاتن حمامة الأخير فهو طبيب الأشعة المصري الشهير الدكتور محمد عبد الوهاب.
مسيرة إخراج
والمتتبع لمشوار هذه الفنانة الطويل والزاخر على الشاشة، يلاحظ أنها قد تعاونت مع أهم المخرجين المصريين والذين أثروا بشكل كبير في مشوارها الفني، بتعاقب أجيالهم ... فمن جيل الرواد الأوائل، عملت مع محمد كريم و يوسف وهبي و أحمد بدرخان ... ومن جيل الأربعينات والخمسينات، اشتغلت مع عزالدين ذوالفقار و بركات و حسن الإمام و صلاح أبوسيف ويوسف شاهين.
ومن جيل الستينات والسبعينات، عملت مع كمال الشيخ و حسين كمال وسعيد مرزوق ... أما بالنسبة لمخرجي السينما الجديدة، فقد تعاونت مع المخرج خيري بشارة في «يوم مر...يوم حلو»، ومع داود عبدالسيد في «أرض الأحلام».
وأرادت فاتن أن تقدم أيضا أفلاما اجتماعية تناقش قضايا الأسرة في الأكثر حيث قدمت أدوار المعاناة الاجتماعية، وبدا ذلك واضحاً في أفلام «ست البيت، كل بيت له راجل، إمبراطورية ميم وأريد حلا».
ولعل أهم تعبير عن هذه الشخصية هما الفيلمان الأخيران ... ففي «إمبراطورية ميم»، لعبت فاتن شخصية الأم المتسلطة والمتحكمة في بيتها وأبنائها الستة، محاولة فرض أسلوب تربية معين عليهم، لتصبح بالتالي رمزاً لسلطة الأسرة والمجتمع، ويصبح الأبناء هم الأفراد الساعون لنيل الحق في ممارسة الحرية الديموقراطية.