أثناء دراستي الجامعية في كلية الهندسة والبترول في الكويت، أجريت بعض اللقاءات الصحافية مع عدد من أساتذة الكلية. للأسف نسيت الهدف من التحقيق الصحافي ومحاور الأسئلة، ولكنني لا أزال أتذكر أنني كنت أوثق إجابات الدكاترة في جهاز تسجيل صغير مشابه لما كان يحمله الصحافيون في فترة الثمانينات من القرن الماضي. ورغم حرصي على تعريف نفسي ومشروعي لضيوفي والاستئذان منهم قبل البدء بالتسجيل الصوتي، إلا أنني في لقائي الثالث أو الرابع شغلت المسجل ووضعته أمام الدكتور مع بداية التعريف، فقاطعني وطلب مني إيقاف التسجيل، ولكنه وافق على إجراء الحوار وتسجيله، بعد اعتذاري منه وسردي للمقدمة التعريفية الشاملة لطلب الإذن للتسجيل.هذا الموقف حضر في ذهني وأنا أشاهد مقطع فيديو - صوتاً وصورة - عرض ضمن برنامج حواري - في إحدى القنوات الفضائية الكويتية - مع وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الجنسية والجوازات اللواء الشيخ مازن الجراح وهو يستقبل العديد من النواب.لا شك بأن هذا اللقاء التلفزيوني تضمن بعض الجوانب المسيئة للنواب خصوصاً من ظهر منهم في المقطع. فالتصوير يبدو أنه كان من دون موافقة صريحة من النواب حيث قال أحدهم «صوت وصورة بعد، رحنا ملح عيل». كما أن السيد الوكيل المساعد كان مشغولاً عن النواب بالحديث مع آخرين عبر هاتفه معظم فترة التصوير. أضف إلى ذلك وصفه للنواب بـ «مناديب» المنطقة وإن أكد على احترامه لهم، وهذا ما دفع النائب علي الخميس لتسجيل استغرابه من الوصف وطالب بمحاسبة اللواء، ولكن وزير الداخلية احتوى القضية بحنكة حين اعتبر نفسه وجميع منتسبي الداخلية خداماً للشعب خلال رده على النائب.من زاوية أخرى، هذا اللقاء كشف عن دور غير واضح لبعض النواب. فوفق ما ذكره الجراح في البرنامج التلفزيوني نفسه أنه «ماكو شي يمشيه النائب وهو ما يمشي»، وأن النائب «مندوب للمنطقة» لأنه «بس يجمع معاملات ويجيبها»، ولو أن النائب «ما يسوي هالشغلة ما ينجح». أي أن هناك شبهة شراء أصوات مقابل خدمات صورية.لذلك أناشد النواب الإصلاحيين تبني مشروع قانون يجرم شراء الأصوات من خلال المعاملات الحكومية، كما أطالبهم بإلزام الحكومة التحول إلى حكومة إلكترونية - أسوة بدولة الإمارات العربية - وفق برنامج زمني محدد من أجل القضاء على ظاهرة «المناديب» وترشيد الوزارات الخدماتية وتباعاً الانتخابات البرلمانية.هناك أبعاد أخرى أخطر بكثير من شبهة ارتكاب جرائم شراء أصوات انتخابية، ومنها ما هو مرتبط بتقصير عدد من النواب في إنجاز دورهم البرلماني. فانشغال البعض من النواب بمهام «المناديب» كان ولا يزال على حساب التزامهم بدورهم الرقابي والتشريعي. ومن أجل إخفاء ضعف بل سوء أدائهم البرلماني لجأوا إلى تعميم مؤشرات أداء مضللة. فعلى سبيل المثال، اعتمد المجلس خلال دقائق معدودة من جلسة 25 /6 /2014 عدد 82 مشروع قانون باعتماد الحساب الختامي للوزارات والإدارات الحكومية والجهات الملحقة والمستقلة عن السنوات 1999 /2000 إلى 2010 /2011، حيث وافق على الاعتماد من دون تلاوة تقرير لجنة الميزانيات والحساب الختامي عن مشروعات القوانين، بحجة أنه سبق إقراره من قبل المجلس السابق المبطل (ولكنه أعيد للمجلس لأنه لم يتم التصديق عليه قبل إبطاله). وبعد استفساري من أحد نواب ذلك المجلس المبطل عن قضية تلك الحسابات الختامية، أبلغني أنه امتنع عن التصويت على مشاريع القوانين لأنها طرحت للتصويت بالجملة وبصورة مماثلة لطرحها في المجلس الحالي. الكارثة في أن تمرير مشاريع القوانين سيظهر كإنجازات ونقاط ايجابية وفق المؤشر الكمي المعتمد لتقييم أداء المجلس.الدكتور أسامة الجهيم كشف عن حالة تقاعس برلماني أخرى أشد خطورة على الوطن والمواطنين بسبب ما شابها من شبهات دستورية. وحذر المواطنين - عبر شبكات التواصل - من مثالب وثيقة الإصلاح الاقتصادي التي وافق المجلس على إحالتها إلى الحكومة عبر اللجنة المالية من دون أن تأخذ حقها من النقاش في المجلس. ولذلك تناقضت تصريحات النواب في شأن الوثيقة بعد رسالة الجهيم، فمنهم من نفى التصويت على الوثيقة، ومنهم من اتهم الحكومة بتمريرها من وراء ستار شرائح تعرفة الكهرباء والماء، ومنهم من وجه سؤالاً برلمانياً إلى وزير المالية في شأن تفاصيل الوثيقة بعد مرور 10 أيام على إقرارها بالمجلس.مضبطة الجلسة متوافرة ضمن قاعدة بيانات الوثائق البرلمانية التابعة لموقع الأمانة العامة لمجلس الأمة على الانترنت. والمضبطة توضح أنه أثناء مناقشة الوثيقة «هم بعض الأعضاء بالخروج من القاعة»، ثم فُتح باب التصويت على تقرير اللجنة المالية في شأن الوثيقة، وهل يوافق المجلس على إرجاعه إلى اللجنة المالية بالأخذ بكل الملاحظات التي أتت في اللجنة، في الجلسة عفواً. ومن ثم إحالتها للحكومة؟ فكانت نتيجة التصويت «موافقة عامة».مع احترامي الكامل للنواب ومساعيهم، إلا أنني أجزم - وفق الشواهد - بأننا بحاجة لإصلاح سياسي قبل الاقتصادي وإلا فإن المجلس سيشارك في ضياع ثرواتنا الوطنية بغطاء الإصلاح الاقتصادي... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
الدكتور أسامة الجهيم و«المناديب»
01:07 م