الانتحار ظاهرة نفسية اجتماعية واضحة للعيان، وكلما تطور المجتمع زادت نسبة المنتحرين، والانتحار مفهوم يعني تخلص الفرد مع سبق الاصرار والترصد من حياته بنفسه، وطبعا الأمر يتطلب نوعاً من الشجاعة، لكن الحياة ومواجهة المشكلات والعمل على حلها يتطلب شجاعة أكبر. فما الأسباب والدوافع للانتحار؟نشرت وسائل الإعلام الأميركية في الاول من يناير 2015 عن حادث انتحار لصبي يبلغ من العمر 17 عاما، كان موهوبا في التصميم، وكان من المتحولين جنسيا الذي تحول إلى فتاة وغير اسمه إلى ليلى، هذه الفتاة رمت بنفسها أمام قاطرة بسبب أن والديها رفضا هذا التحول ووصفاها بالأنانية، وقالا لها إنك الآن فتاة في جسم صبي، وعندما تحدثت مع والدتها قالت إنها لن تصبح فتاة في يوم من الأيام، وإن الله لا يخطئ في خلقه، وفي رسالتها الأخيرة أوصت ليلى بإعطاء كل مقتنياتها إلى المتحولين جنسيا عبر جماعات حقوق الإنسان، وقالت: أريد من موتي أن ألفت نظر العالم إلى زيادة عدد المنتحرين من المتحولين جنسيا.وحادثة الشاب تايلر الموهوب في الفن - 18 ربيعا، الذي تم تصويره خلسة في وضع خاص مع شاب آخر، فما إن نُشرت صوره حتى أقدم على الانتحار غرقا بسبب السخرية والتندر من قبل الآخرين.وتفيد الإحصاءات بأن نحو 50 في المئة من المتحولين جنسيا يحاولون الانتحار سنويا، ان لم يكن من الممكن الاستفادة من قدرات هؤلاء الشباب ومواهبهم وعطائهم للمجتمع؟ لكن نتيجة اليأس وعدم التفهم يُقدمون على الانتحار، كل ذلك بسبب أشياء وضعها الله في خلقه من دون تدخل أيادي بشرية في صنعها.كما نشرت الصحف في 15 ديسمبر 2014 عن ماليزي عمره 47 سنة يقوم بجريمة بشعة بحق زوجته، وذلك بقطع أطرافها الأربعة، ثم ينتحر شنقا بدافع الغيرة، وكان الزوج عاطلا عن العمل وزوجته تعمل في مطعم بسنغافورة ولا تعود إلى ماليزيا إلا مرة في الشهر، ولديهما أطفال ثلاثة، وكانت الزوجة هي من تعيل الأسرة كلها، وكان الزوج يشك في علاقتها برجل من سنغافورة.كما أقدم جون غيبسون، القس والذي يعمل أستاذا في الكهنوت وعمره 56 عاما على الانتحار، إثر ظهور اسمه على موقع للخيانات الزوجية بعد خمسة أيام من النشر الذي سبقه اكتئاب شديد.وانتحرت شابة تبلغ 29 عاماً إثر اصابتها بسرطان في الدماغ كان يسبب لها آلاما مبرحة، فاختارت الموت الرحيم على العيش مع تلك الآلام. وانتحرت الفتاة البحرينية زهرة علي - 38 عاماً - بشنق نفسها بسبب حالة الاكتئاب التي دفعتها لذلك.إذاً الانتحار يمكن أن يشمل الفئات العمرية كافة، وقد يزيد أو ينقص لدى بعضها لكن لا يقتصر على فئة دون أخرى.وأسبابه متعددة، فقد أظهرت دراسة أعدها باحثون سويسريون من جامعة زيوريخ ونشرتها مجلة «ذي لانسيت»، أن البطالة تتسبب في 45 ألف حالة انتحار في العالم سنويا، في 63 بلدا، من بينها كل الدول الغربية المتطورة اقتصاديا، باستثناء الصين والهند، وأكدت الدراسة أهمية وضع سياسات وقائية محددة إزاء العاطلين بدل الاكتفاء بالتركيز على الآثار السلبية للأزمات الاقتصادية.تتعدد أسباب الانتحار والموت واحد، الشعور بفقدان الهوية كما في المتحول جنسيا سبب، والغيرة والعلاقات العاطفية سبب، والبطالة سبب، والفقر سبب، والمرض والعذاب سبب، والخيانة الزوجية سبب، والفشل العاطفي أو الدراسي سبب، ويكثر الانتحار في اليابان بسبب الفشل الدراسي، والإفلاس والخسارة المالية سبب، وغيرها العديد من الأسباب.ونعتقد ان كل الأسباب تلك وغيرها ما هي إلا عوامل مساعدة ومحفزة، أما السبب الأول فهو يعود إلى طبيعة الشخصية، فلماذا تأتي رغبة الانتحار وتغزو الاضطرابات النفسية مجموعة من البشر، ولا تغزو الجميع ممن يمرون بالظروف والمشكلات نفسها؟ فهناك آلاف العاطلين وآلاف المتحولين جنسيا وآلاف المحبطين في علاقاتهم العاطفية وآلاف الخائنين، وآلاف الفاشلين في دراستهم، لكن لماذا يُقدم بعض منهم على الانتحار والبعض لا؟ الاستعداد البيولوجي الذاتي والهرموني والنفسي لكل فرد يختلف عن الآخر.إن الأزمات التي يعاني منها الإنسان لا تعد ولا تحصى، وما يحتاجه المنتحر لكي يرجع عن قراره، هو فقط الحب والحنان والدعم والمساندة والتعاطف، وعلى المقربين منه اكتشاف اللحظة المناسبة لتقديم كل ذلك قبل فوات الآوان.aalsaalaam@gmail.com