فجأة وبدون سابق إنذار وجدت مجموعة كبيرة من الرسائل تتوافد على هاتفي وكلها مضمونها واحد ولونها واحد. مضمونها القتل ولونها الدم في سورية وحلب تحديدا. وللحظة ما اعتقدت أنني الأمين العام للأمم المتحدة أو أحد أمراء القتال في الساحة الشامية، وأنه عليّ التحرك سريعاً كوني المسؤول الأول لما يحدث في حلب، ولكني ماذا أملك غير دعائي لله أن يصلح وطنهم ويرحمهم ويغفر لنا ما فعلناه فيهم قبل أن يأجرنا لما فعلناه لهم.حسناً عزيزي القارئ، في الواقع أنا لست المسؤول الأول لما يحدث في سورية، ولكنني بالتأكيد المسؤول الثاني. وأقسم لك بالله أن المقال ليس ساخراً ولكنه جاد جداً، رغم قناعتي أنه ليس في السخرية دائماً إهانة، كما أنه ليس في الجدية دائماً احترام، فرغم جدية التصاريح التي تتعامل مع الشعب السوري إلا أنها مليئة بالإهانة.أنا المسؤول الثاني لما يحدث في سورية لأنني تعاملت معها كملف وليس كشعب من حقه أن يحل مشاكله دون تدخل من أحد، أو وصاية من جهة أو دعم من منظمة من أجل أن يتقاتل الجميع ولا يموت سوى السوريين.وما أن وقعت الثورة السورية حتى بادرت بالتبرع بأموالي وعواطفي، وحيث لم تكن العملية منظمة ولذلك فقد ذهبت التبرعات لأمراء الحرب وسماسرة الدم، وذهبت عواطفي تجاه ما تريده نفسي وليس ما يريده الشعب نفسه.ثم بعد ذلك أصبحت أتابع الأحداث السورية كما أتابع دوري أبطال أوروبا، وأتناقش مع أصدقائي ونحن نلتهم وجبة دسمة حول من الذي تقدم ومن الذي تأخر في الملعب السوري الذي اشتركت فيه فرق من كل دول العالم، فهناك فرق بلحى وهناك فرق بعمائم.بالتأكيد أنا المسؤول الثاني لأنني أسقطت الصراع السوري على صراعنا في المنطقة، فجعلت من سورية صراعا طائفيا، وصراعا وجوديا بين دول بعينها، دون أن ألاحظ أنني لم ألاحظ أن سورية لشعبها وليس لما نتمناه، وأنه لا يوجد وطن احتياطي للشعب السوري ولكنه وطن واحد لهم ومن حقهم وحدهم أن يتحكموا في مصيره، فهي سفينتهم ولا أعلم لماذا عليّ أن أشجع القوارب الدخيلة.بالتأكيد، أنا المسؤول الثاني لأنه عندما تشرد الشعب السوري لم أبد رغبة أو حماسا أو حتى مسيرة مصغرة لكي أعلن استعدادي لاستقبال أسرة واحدة منهم في بيتي الكبير، أنا فقط أبدي الحماس عندما أشاهدهم يحترقون وأبدي الحماس أيضاً عندما أعلن أنني على استعداد لأن أستر أختا سورية وأتزوجها وما كنت لأحلم بها عندما كانت مستورة في وطنها ثم أقدم لها مهرا بخسا.إن كل شيء حولنا يفضحنا ويفضح تصرفاتنا المخزية عندما ندعي أننا نموت حزنا على السوريين ولكن (كروشنا) الممتدة للأمام تفضحنا، ونسب الاستهلاك ومصاريف السفر وحفلاتنا الغنائية التي نشارك فيها تفضحنا، ولعله من حقك عزيزي القارئ أن تقول لي (فماذا نفعل إذا؟ هل تريد للحياة أن تتوقف بسبب ما يحدث للسوريين؟) ومن حقي أن أرد عليك قائلاً (لا ياعزيزي فالحياة لن تتوقف، ولكن عليك أنت أن تتوقف عن التدخل في حياة السوريين، فليس الخطر الحقيقي هو أن حاكما مجنونا دمر وطنه، فقد فعلها كثيرون من قبل ثم توقف الدم ورحل الطغاة إلى مزبلة التاريخ وقعر جهنم، ولكن الخطر هو أن نعتقد أن السوريين وسورية أصبحت مشاعا للجميع لكي يتدخل فيها ويتكلم باسمها كل من أراد بمن فيهم أنا اليوم، ما سيجعل دائماً هناك طغاة ونهر دم لا يتوقف.الوعي بسورية أهم من البكاء عليها. فالشعب السوري لا يحتاج أن يبكيه أحد. فقط اتركوهم، وأقسم لكم بالله أنه شعب عظيم قادر على إدارة أزمته بنفسه، وحسبي الله ونعم الوكيل على بشار و«داعش» و«حزب الله» وأميركا وروسيا ومَنْ لف لفهم ممن جعل من الأزمة السورية ملف ربح وخسارة.كاتب كويتي@moh1alatwan
مقالات
خواطر صعلوك
الوعي بسورية أهم من البكاء عليها
12:58 م