لست أدري ما الذي ذكّرني بـ«لويس عوض» هذه الأيام. فلا هي أيام ميلاده... فقد وُلد في يناير 1915، ومات في أغسطس 1990.ولكن من عرفناهم في فترات متقدمة من العمر، تطاردنا ذكراهم حتى بشكل غير إرادي في بعض الأحيان. ربما لأنني وجدت كتابه: «أقنعة الناصرية السبعة» في مكتبتي القديمة، فأخذته إلى حيث أعيش. ربما أيضا أنني بحثت كثيرا عن كتابه: «مقدمة في فقه اللغة العربية». وعثرت عليه بصعوبة بالغة. خصوصا أنه مطبوع طبعة واحدة في مكتبة مدبولي.عموما، وقائع الذكريات والنسيان، ربما تتم وفق قواعد لا يسيطر عليها الإنسان. وهي تتم وفق آليات لا سيطرة لي عليها. أحيانا أنسى تماما أسماء ووقائع لفترات قد تطول. وأخشى على ذاكرتي، وأخاف من الزهايمر الذي أسمع عنه أهوالا وأهوالا. وفي لحظات أخرى وفق قاعدة لا علاقة لي بها، يطل هذا الإنسان أو ذاك فارضا نفسه عليك.أحمد الله كثيرا لأسباب عديدة، في المقدمة منها ميلادي في قرية. لا أدري ما هي العلاقة بين الحياة في السنوات الأولى في قرية. وقوة الذاكرة أو الحياة في المدينة وضعف الذاكرة. وربما تلاشيها... ربما كان إحساسا لا تسنده أي معلومات حقيقية، ولكن مثل هذه الأحاسيس تسيطر علينا، وتفرض نفسها على وجداننا حتى من دون أن ندري.لديّ كثير من الحكايات عن لويس عوض يمكن أن تشكل كتابا عنه. عندما أجلس لأدوّن بعضها الآن أسأل نفسي: لماذا لم أكتبها في حياته؟من المؤكد أن سعادته كانت ستصبح بلا حدود لو أنني فعلت ذلك وهو على قيد الحياة، لكننا نحن أحفاد الفراعنة. ننتظر حتى يرحل الأحبة عن عالمنا لكي نبدأ الكتابة عنهم. ألسنا أحفاد من بنوا الأهرامات التي هي عملية كفاح مستمرة ضد النسيان واعتبروها أهم ما تركوه لنا؟ عموما من شابه أجداده من حقه أن يشابههم. وليس مطلوبا الاختلاف والمغايرة عنهم لمجرد الاختلاف.عندما استضافني لويس عوض في مكتبه، الذي كان موجودا بشارع الهرم، وكان مكونا من ثلاث غرف ومطبخ وحمام.أذكر أنني عندما استأذنت منه واتجهت للحمام، وفوجئت بعدد من الكتب من بينها روايتي: «شكاوى المصري الفصيح»، في البانيو. وحولها المياه من كل جانب.من المؤكد أنه منظر مخيف، لم أتوقع رؤيته، ولم أُعِدُ نفسي للتعامل معه، ولم أكن أتخيل وجوده في حياتنا.وجدت روايتي تعوم في مياه البانيو. انحبس البول بداخلي من هول المنظر الذي شاهدته، وفقدت الرغبة في التبول.في طريق عودتي إلى الدكتور لويس عوض، سألت نفسي: هل أقول له على ما شاهدته؟ أم «أُطنِّش»؟ تجنبا للمشاكل التي تحاصر الإنسان من كل جانب. اخترت الحل الأول. كان واضحا على وجهي تأثير ما شاهدته.لويس عوض هو الذي سألني بعد أن عُدت إليه:- ماذا بك؟ هل حدث لك مكروه؟حكيت له ما شاهدته... ضحك علىَّ حتى استلقى على قفاه... وحكاية «الضحك حتى الاستلقاء على القفا» جملة من القراءات القديمة للإنسان، قرأناها كثيرا في وصف جيل العباقرة الكبار الأول: العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم.نصحني لويس عوض أن أحمِد الله أن مكتبته ليست في بيته، وأن هناك وسائل جديدة لتسخين المياه، وإلا كان حدث لها ما سبق أن وقع لكتبه عندما أهدى كتبه للدكتور طه حسين، وكان مصيرها أسوأ بكثير من مصير كتبي عنده. تساءلت:- وهل هناك ما هو أسوأ من رمي الكتب في البانيو؟حكى لي أنه شاهد بقايا كتبه محترقة في بيت طه حسين، وعندما احتج قال له طه حسين بنفسه وبلسانه إن الست سوزان تسخّن بها المياه في الشتاء. وإن طه حسين اعتبر الحكاية من الأمور الطبيعية التي لا يجب الغضب منها.كان يومي مع لويس عوض جميلاً، حيث دعاني للغداء في مطعم قريب من مكتبه. ثم أخذني إلى المكتب لأستمع معه إلى الموسيقى السيمفونية، ولكن النهاية جاءت مأسوية. انتقل في الحديث من موضوع إلى آخر، ولكن كان من الصعب عليّ نسيان الأمر أو حتى تجاهله، لأنه كان أمرا خطيرا من وجهة نظري.ومن ذكرياتي مع لويس عوض حكايات السفر.أذكر أنني سافرت معه إلى العراق وقت «الحرب العراقيةـ الإيرانية». كان السفر بالصدفة، لم أكن أعرف أنه مسافر، ولم يكن يعرف أنني مسافر. قال لي ونحن على الطائرة إنه ذاهب إلى هذا البلد للوقوف معه في وجه ما يراد به. أي إنه ليس مع العراق ولا نظام حكمه، ولكنه ضد القادمين من الشرق. استمعت له برحابة صدر، رغم اختلافي معه. وبعد أن شرح الخطر الذي يتهددنا جميعا، قلت له بعد أن طلبت منه عدم الغضب بسبب اختلافي معه، إنه أغفل في تحليله أمرين، الأول: أن العراق هو الذي بدأ بالعدوان على إيران. والثاني: إن الشرق أتت منه أنوار كثيرة من قبل.ولكنه كان يرى ويصر على أن النور، إنما أتى من ناحية أوروبا فقط... قال لي إنه يريد إعلان موقفه حتى لا يساء فهم رحلته والهدف منها. كانت لديه حالة نادرة من الاعتزاز بنفسه تكاد أن تصل إلى مشارف الغرور في بعض الأحيان.قلت له اطمئن، سنجد في مطار صدام الدولي جيوشا من الصحافيين، سنجد إعلاما مكتوبا ومسموعا ومرئيا. ويمكن أن تقول ما تريد. قال لي: هل نسيت أن هذا البلد فيه رقابة؟ تساءل: هل سنجد هناك إعلاما غربيا؟ قلت له: أشك. وعدت أقول له: كل شيء جائز، ربما نجد القنوات الأميركية في انتظارنا هناك.ما أن نزلنا أرض المطار حتى كان وزير الإعلام: لطيف نصيف جاسم الدليمي في انتظارنا.وقد جاء الوزير مدججا بالكاميرات والأقلام والميكروفونات التي شكلت غابة حوله. ولم يسترح لويس عوض من قلقه، إلا عندما اقترب منه مذيع تلفزيوني، وتحدث معه. ومازلت أذكر أنه اختصر من كلامه هجومه على نظام حكم صدام حسين، ولكنه ركز على الهجمة التي تحاول إحراق الأخضر واليابس في المنطقة العربية. لم يكن يحب ذكر كلمة الإسلام في حواراته.ولا كان يحب استخدام كلمة المسلمين، وكان حريصا على هذا طوال الرحلة.وتبقى ذكريات عراقية أخرى مع لويس عوض. لكن لأنه لم يعد من أهل الدنيا، لا بُد أن أكون دقيقا عند الكلام عنه، أراجع النفس أكثر من مرة قبل أن أخط حرفا واحدا.ونكمل...
محليات - ثقافة
مشاهد / ذكريات عراقية مع لويس عوض
يوسف القعيد
07:01 م