منذ بداية تسعينات القرن الماضي وعند ظهور التيار الجامي المدخلي الذي برز في الجزيرة العربية بعد أحداث حرب الخليج عام 1991، وهناك إشكاليات عميقة أظهرها هذا التيار في ساحة الفكر الإسلامي، وهذا التيار الذي تركزت أفكاره وتعاطيه مع الواقع الشرعي والفكري بمحاور رئيسية وأهمها محمد أمان الجامي رحمه الله وربيع بن هادي المدخلي في شكل مركزي ثم مشايخ وعلماء السعودية الكبار والشيخ محمد الالباني في شكل أقل وبما يتوافق مع آراء الجامي والمدخلي، إن التيار الجامي المدخلي فرض نفسه في الواقع، خصوصا في الجزيرة العربية لأسباب منها:- الدعم الكبير من السلطات في بعض الدول برعاية الندوات والأدبيات والتعيينات في المناصب القيادية في الدولة، ويرجع هذا الدعم لحاجة بعض السلطات للغلاف الديني الذي يظهره بصورة طيبة أمام الشعوب المحبة للدين، وكذلك الاستفادة منهم في مهاجمة التيارات الإسلامية.- ميل كثير من الناس إلى من يواكب السلطات بسبب عدم تقبلهم للمنهجية التي تعارض السلطات وتثور عليها في بعض الدول وبعض هذه الشرائح لديها مصالح وبعضها الآخر تحب الاستقرار والبعد عن المشكلات.- استفادة هذا التيار من موقف بعض رموزه في حرب الخليج ضد النظام العراقي وكذلك تسويقهم لأنفسهم بأنهم من يمثل علماء السعودية الكبار والشيخ الألباني، ووجود المكانة العالية لهؤلاء العلماء جعلهم ينشرون أفكارهم بهذا الإتجاه.- ضعف أو غياب في بعض الأماكن للمنافس الشرعي بالدروس الشرعية والإفتاء القريب من الناس، وتسويق هذه الآراء عبر قنوات التواصل الاجتماعي، والجرأة في الدخول في الصراعات والردود مع الناس لفرض أفكارهم.من خلال هذه السنوات التي برز فيها التيار الجامي المدخلي ومع كل الأحداث التي شارك فيها بصراعاته مع الآخرين أو صراعاته الداخلية لوحظت مجموعة أمور تبين القصور الكبير للمنهجية عند هذا التيار في التعامل مع الخطاب الشرعي وهذه النقطة التي أريد أن أركز عليها في هذا المقال، والسلوك المنهجي للفرقة الجامية المدخلية ساهم في شروخ عميقة في جسد الأمة المسلمة لما نتج عنه من مغالطات وأساليب و«تكوين» الصورة الذهنية للمفاهيم الإسلامية والدعوية التي بينت القصور في المنهجية الشرعية وسأذكر بعض هذه العلامات البارزة القاصرة:- ضعف دراسة وتدريس الفقه المقارن والمذاهب الأربعة وفهمها لذلك تجد هذا التيار لديه ضعف في معرفة الخلاف الفقهي وإلزامه للناس وخصومته لأقوال فقهية واجتهادية معينة وعدم تقبل وجود رأي آخر خاصة إذا أصر عليه مشايخهم لذلك تجد أن من لديه وعي في الفقه المقارن وهم قلة تجد حدة الاقصاء عنده أقل.- ضعف قراءة التاريخ الإسلامي والتخصص فيه لذلك تجد عندهم ضعفاً شديداً في معرفة حال الدول وسنن التاريخ وخلافات المذاهب الفقهية ومدى تعامل المذاهب مع حكامهم من المذاهب الفقهية والعقدية الأخرى التي جاهدوا معها وعظموها.- ضعف دراسة وتدريس علم أصول الفقه لذلك تجد استنباط الأحكام الشرعية وفهم أسسها والخلاف فيها أمور لا يحسنون التعامل معها.- ضعفهم في دراسة علم المنطق وما أقصده أسسه المفيدة الموجودة في متن «السلم» مثلا او «ايساغوجي» وهذه إشكالية عند أغلب المدارس السلفية لذلك تجد ضعف تبريراتهم المنطقية في الردود والآراء وعدم تحريرهم لموطن النزاع في طرحهم عموما.- عدم استيعابهم لفقه الخلاف في المسائل الشرعية والعقدية لذلك تجدهم يتشددون مع من يخالفهم ومع الوقت والأحداث تجدهم يختلفون بينهم وينشطرون لأن قاعدتهم الواقعية «لا خلاف في الفروع».- التركيز على القائل وليست الفكرة لذلك تجد أن قول المخالف مهما كان لا يقبل العذر أو الاستفادة وأقوال شيوخهم مقبولة ولها عمقها ودلالاتها.- تزكية المشايخ وتحذيرهم من خصومهم «صكوك» يجب عدم مخالفتها وأمور مصدقة ومحسومة والبحث فيها والاجتهاد في خلافها غير مقبول.- الخلاف والرد على مشايخهم والمسائل التي يسيرون فيها هو «طعن في السلفية» وعداء لها أي أنهم حصروا السلفية فيهم.- رمي المخالف لهم بألفاظ شديدة مثل «مدلس» «لعاب» أو بفرق مخالفة «جهمي» «معتزلي» «تكفيري» على طريقة التنفير أو تتبع عثرات المخالف وزلاته لإسقاطه.هذه النقاط حاولت تحديدها على قدر المستطاع وركزت على النقاط التي تتصل بالمنهجية الشرعية ولكي أضع الأدلة على ما قلته يجب أن أذكر أمثلة تطبيقية واقعية على هذه النقاط السالفة ومنها:- إسقاط شخصية علمية كبيرة مثل العلامة الددو من أحد رموز الجامية وهو عبيد الجابري ودعواه بأنه ضعيف في العلم الشرعي بسبب موقف من الثورات العربية!- تحذيرهم من سيد قطب بحجة أن ربيع المدخلي قام بالتحذير منه وعندما حذر المدخلي من بعضهم حينما اختلفوا فقالوا لا نقدس المدخلي!- دعواهم بعلمية ربيع المدخلي ومحمد الجامي بسبب تزكية بن باز مع تغافلهم عن تزكيته للعديد من المخالفين لهم مثل بن جبرين والمطلق والحوالي.- إباحتهم المشاركة في الانتخابات النيابية وشيخهم محمد الجامي رأيه أن المشاركة من المخالفات العقدية.- تبديعهم حسن البنا لرأيه أن التوسل ليست من مسائل العقيدة وهو رأي محمد بن عبدالوهاب.- تحذيرهم من العمل الجماعي بسبب آية التحذير من التحزم وتغافلهم عن المعنى الحقيقي للآية وهو التعصب الذي يقعون فيه.هذه بعض الملاحظات والتطبيقات على قصور المنهجية الشرعية وتقييم أدواتها عند التيار الجامي المدخلي، ولقد قمت باختيار بعض النماذج التي تبين هذا القصور العميق في أسس المنهجية الشرعية، ويتبين بعد هذا العرض أن هذا التيار لا يمتلك مقومات الاستمرار إلا بوجود من يدعمه ويغذيه لأهداف أخرى ولعلي قريباً أبين في شكل مفصل الإشكاليات العميقة لذلك التيار.bomo6ar@gmail.com