... لقد أصبحت المجتمعات الافتراضية الشغل الشاغل لكل تركيبات المجتمع وفئات الأعمار والأجناس، ونتج عن تطوّرها حالات متفاوتة من تفكيك وتشتيت وانقطاع عن العالم الواقعي وانهيار العلاقات الاجتماعيّة، بل وتفكيك الهويّة وإضعاف الانتماءات الوطنيّة والأسريّة التقليديّة، وأثرت على تركيبة المجتمعات الفكرية والعمرية والأخلاقية وأصابت المجتمعات بتفكك عاطفي وحسي وبيئي لم تشهدها من قبل.العاقل ليس ضد التقنية وأدوات التواصل، ولكن ضد الإدمان عليها أو استخدامها بوجهها غير الحسن، لقد أصبحت المجالس بلا هوية تجمعها لأن كل فرد هناك يجذبه مجتمع افتراضي غير المجتمع الذي يجلس فيه، ولم تعد صورة الأسرة التي تعيش في بيت واحد كالسابق، فكلّ فرد منهمك في عالمه الافتراضي الخاص، وإذا بقي تأثير المجتمع الافتراضي على ما هو عليه فسيصبح المجتمع الفعلي بلا هوية وبلا انتماء وبلا أخلاق، مشردو الذهن فاقدو الهوية، لا هم لهم الا نقل ما تناقلته تلك المشاركات داخل تلك الاجواء غير المراقبة. وسيفلت الزمام من الصغير والكبير وسيكون قادم الزمان أسوأ من ماضيه.إن التغيرات السريعة التي تطرأ على المجتمع الافتراضي، وتعدد الصور والآليات التي يتواصل بها الأفراد في التفاعلات الافتراضية، وكثرة المتفاعلين في سياقها، وتفاوت أعمارهم، وارتباط تحولات هذا المجتمع بصناعة البرمجيات التي تتطور بشكل ملحوظ، وارتباطه بتكنولوجيا الاتصال، وبمجتمع المعلومات العالمي الآخذ في التشكل. كل هذا يجعل من الصعوبة التكهن بالصورة الأساسية للمجتمع الافتراضي في المستقبل، حيث ان هذا المجتمع لم تكتمل صورته بعد. لا يمكن إهمال دور مؤسسات الدولة من وزارة الإعلام أو وزارة الشباب أو وزارة التربية والتعليم، حتى وان كانت التقنية اسرع من مجرد تداول الفكرة قبل تنفيذها. فالمجتمع الحقيقي قد ابتلعه المجتمع الافتراضي الذي نشأ لأغراض شتّى منها تخليص البشر من عزلتهم لكنه سينتهي بهم إلى عزلة جديدة عن عالمهم الواقعي. ومن الضرورة توعية الأسرة بأهمية دَورها في التنشئة الاجتماعية للفرد، وتنمية قدراتها للتعامل مع التطور المستمر في مجال الاتصال في الوقت الحاضر، واعتمادها على أسلوب الحوار والنقاش وتبادل الآراء في التعامل مع الأفكار والاتجاهات التي تتضمَّنها والتعليق على المشاهد والآراء التي تحتويها للاستفادة من إيجابيَّاتها وتلافي سلبياتها. وبقدر ما يتوغل الشخص في المجتمع الافتراضي ويتعزز حضوره فيه ينفصل أكثر عن المجتمع الواقعي، ويضعف وجوده فيه، إلا أن الاعتدال في كل شيء هو الميزان، فالأغلبية استفادت كثيرا من تلك الوسائط ولكن تبقى المشكلة في الوصول إلى مرحلة الإدمان وهي من أهم المشكلات الشائعة بين أفراد المجتمعات الافتراضية، مما يسبب إشكالية حول مستقبل التفاعلات الواقعية في ظل الانخراط في التفاعلات الافتراضية ومستقبل التفاعلات الأسرية على وجه الخصوص في ظل المجتمع الافتراضي. وهنا يقع على الأسرة جزء كبير من المسؤولية لأنها المربي الأول للأجيال القادمة، لذا عليها تدريب الأبناء على احترام الوقت، وتعليمهم تخصيص وقت محدَّد لكل نشاط. ليتحلى المرء بإرادة الانفصال عن الإنترنت وإغلاق الهاتف النقال أو جهاز الكمبيوتر، ليعيش المجتمع الواقعي.* كاتبة كويتيةSuhaila.g.h@hotmail.comsuhaila.g.h