لست رجل دين لكي أكتب لكم عن الفريضة الغائبة كتلك التي كتبها الشيخ محمد عبد السلام الذي أعدم في 1982م بسبب اغتيال السادات.كما أنني لست علمانيا لكي أكتب لكم عن الحقيقة الغائبة كتلك التي كتبها فرج فودة وتعرض بسببها للاغتيال بسبب فتوى الشيوخ، فيبدو أن كل من يكتب عن أي شيء غائب فمصيره الغياب شخصيا.فلقد كنت أعرف شخصاً كان قد تكلم عن الإصلاح السياسي الغائب، فغاب عن المشهد في غيابة الجب.فاللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.ولكنني سأكتب عن الفريضة الغائبة عند طلاب المدارس الذين هم أبناؤنا وأبناؤكم ونساؤنا ونساؤكم والذين يتم التعامل معهم وفق آلية أنهم أسفنجة يجب أن نملأها، وليس وفق أنهم طاقة يجب أن نوجهها.إن تطبيق برنامج وزارة التربية التعليمي والتربوي يعتقد أنه إذا كان الطالب في المدرسة لا يعاني من مشاكل (ضعف التعليم، العنف، الطائفية...ألخ)، فهذا يعني أن الطالب مهيأ ومستعد للخوض في سوق العمل وخدمة المجتمع والوطن، من دون أن يلاحظ أن هؤلاء الطلاب هم عبارة عن إمكانيات، وهذه الإمكانيات تضيع سنوياً وتهدر بتكاليف أكثر من الماء والكهرباء، من خلال برنامج تعليمي وتربوي لا يمت إلى حياتهم بصلة، حتى أصبحت المدرسة نفسها تشكل مجتمعاً مهدور الطاقة والإمكانية.وإذا دخلت عزيزي القارئ برجلك اليمنى إلى موقع وزارة التربية فستجد أن فلسفة الوزارة هي (إقامة المجتمع الدائم المتعلم الذي تصبح المدرسة فيه إحدى مؤسسات التربية المستمرة، تؤازرها وتكمل جهودها سائر المؤسسات الاجتماعية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، من خلال برامج التعليم المستمر وفرصة واستثمار كل إمكانات البيئة في هذا المجال، لتتاح لكل فرد على مدى رحلة حياته فرص تعليمية وتدريبية تمكنه من تنمية قدراته ومهاراته ليواكب ويلبي الحاجات المتجددة التي يفرضها تطور مجتمعه ومطالب تنميته).وما هو مكتوب للتو هو بالتحديد الفريضة الغائبة في مدارس الكويت، ولا يشفع لهذه الفريضة أنها مطبقة في أربع أو خمس مدارس من أصل800 مدرسة.إن من أكبر خدع الشيطان في التعليم أن يجعلنا نهمل عنصري الزمان والمكان، من خلال إهمال حركة الحياة وكيفية تعامل الطالب معها، ومن خلال إهمال المكان وكيفية استغلال إمكانياته وقدراته، ثم بعد ذلك نضع الطالب بين طرفي هذا المقص لنصدر للمجتمع أناسا لم نوفر لهم الحماية مما يعرفونه والوقاية مما لا يعرفونه، ونخرج مجموعة من الشباب الذين يتأثرون بما يسمعونه أكثر مما يتأثرون بما يتعلمونه أو يعملونه.إن الفريضة الغائبة اليوم في المدارس ليست فقط إدخال تكنولوجيا التعليم أو تخفيف الحقيبة المدرسية أو إدخال الطالب في نفق من الامتحانات الورقية، ولكنها في تحويل مفهوم (المشاركة) من المشاركة الصفية وعشر درجات الشفوي التي تعتمد على الحفظ إلى مفهوم المشاركة المدرسية والمجتمعية التي تعتمد على مهارات الحياة.عموماً لن أطيل عليك عزيزي القارئ، ولكنني أقترح على السيد الوزير أن يعطيني كرسي الوزارة لمدة أربع سنوات ثم بعد ذلك يجددون لي مدة وزارية أخرى من خلال استثناء أو من خلال تزكية، وأنا أعدكم أنه خلال هذه المدة سأعمل بكل طاقتي لكي أخرج أمام العلن وأعلن أنني فشلت في إدارة الوزارة، لأن المشكلة دائماً ليست في الوزير ولكنها في السيستم نفسه.وكل عام وأنتم بخير بمناسبة انتهاء العام الدراسي... وكفارة يارجالةقصة قصيرة:-ألا تخشى أن يكون مصيرك مثل محمد عبدالسلام وفرج فودة ويتم اغتيالك أو إعدامك؟-لا تخف يا صديقي فوزارة التربية لا تقتل البشر...ولكنها تقتل الإمكانيات فقط.كاتب كويتي@moh1alatwan