بكل فخر أستطيع أن أقول انني أنتمي للجيل الذي تعلم في مدارس الكويت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وفي مدارسها الحكومية ذات المساحات الشاسعة وفصولها الكبيرة ومدرسيها المخلصين وإداراتها الصارمة.نعم نحن الجيل الذي تعلم على أيدي المدرسين الذين كانوا يستعملون الطباشير الكلسية في الكتابة على اللوح الأسود الكبير الذي كان يزين صدر الفصل الدراسي، حيث كان المدرس يستعمل أثناء الشرح تلك الطباشير بألوان مختلفة مثل الأبيض والأحمر والأصفر وغيرها، وكان لديّ اعتقاد يرقى إلى مستوى اليقين أن المدرس الذي يستعمل الألوان في كتاباته على السبورة إنما هو فنان مبدع، ومعلم متميز يمتلك حسا مرهفا وتقديرا للجمال الذي تعبر عنه الألوان ويتقبلها الطالب بكل رحابة صدر وسرور، وتزيل الجمود في الكتابة باللون الأبيض فقط والذي امتاز به بعض المدرسين من دون غيرهم، وكانت الطباشير واحدة من أهم وسائل عبثنا البريء عندما كنا نقذفها على بعضنا البعض في ما بين الحصص. هذا الجيل الذي تعلم على أيدي المدرسين الذين كانوا لا يحابون في التعليم أحدا وكانوا يتميزون بالإخلاص في عملهم.لم يكن المدرس حينها يشكو من الطباشير ولا آثارها على ملابسه ويديه بل كان يشعر بالفخر حين يستعمل ذلك السلاح التعليمي المهم في ضبط إيقاع العملية التربوية والتعليمية داخل الفصل، كنت أشعر أن ذلك المدرس مجبول من شيء غير الذي جبلنا منه.كنا «معظم الأحيان» ننصت له خاشعين بالرغم من وجود الفتية المشاكسين والباحثين دائما عن المتاعب وإثارة الفوضى إلا أني لا أذكر سوى مرة واحدة فقط توقفت فيها الدراسة بسبب المشاغبين على مدى 12 عاما،كان موضوع الغياب عن المدرسة أمرا محرما وغير قابل للطرح أو النقاش سواء من الأهل أو من الإدارة المدرسية، وكان الطالب الغائب تتم مقابلته لاحقا ومعرفة سبب غيابه وإن لم يقتنع القائمون على الإدراة المدرسية بأعذار الطالب يُستدعى ولي أمره لتحديد العلة وسبل علاج المشكلة، ولا حاجة للتأكيد بأن الأب كان دائما مع المدرسة ضد ابنه وليس العكس، ولا أعتقد أن الأمهات في أيامنا تلك كن يراجعن المدرسة بل الأب فقط.ولذلك لم يكن هنالك من حصص ضائعة أو دروس لم يتم شرحها جيدا، أو أن مادة من المواد لم تلق القدر المطلوب من الشرح والتوضيح، فهذا مدرس الكيمياء يقوم بواجبه في شرح المعادلات الكيميائية بكل حب وذلك مدرس اللغة العربية يمتطي صهوة اللغة ويطوعها بشكل يجعلك تعشق تلك اللغة. إنه جيل الخيرين وجيل المبدعين من المعلمين والمربين ممن تتلمذنا على يديهم فأحسنوا لنا أيما إحسان.ومع مرور الأيام والتطور السريع في كل مناحي الحياة، حققت العملية التعليمية الكثير من أوجه التطور الإيجابية، ومنها أن الطباشير اختفت وحلّ مكانها أقلام الوايت بورد واختفت إلى الأبد السبورة السوداء، ثم أخيرا بدأت اللوحات الذكية التفاعلية بغزو الفصول الدراسية وأمست التكنولوجيا عنصرا طاغيا على مجمل العملية التعليمية. ولا أظنه ببعيد أبدا أن تصلنا تقنية الهولوجرام، تلك التقنية التي تمكن المدرس من الشرح على شاشات هوائية حيث لا يلمس فيها شيئا سوى الإشارة بيديه على تلك اللوحة الافتراضية.في الوقت نفسه وبشكل تدريجي غابت العديد من العناصر الإيجابية ومن أهمها الإخلاص في العمل لدى بعض المدرسين، وأمست وظيفتهم مهمة يؤدونها من دون حب، ويكاد يغيب احترام المدرس ويفقد مكانته المرموقة في المجتمعات الحديثة والقديمة، حتى وصل الأمر إلى أن مهنة التدريس أصبحت مهنة طاردة وغير مرغوبة لكل أبنائنا المقبلين على الدراسة الجامعية.في تلك الفترة الذهبية من التعليم في دولة الكويت لم نكن نسمع أو نعرف ما يسمى بالدروس الخصوصية، فهذه ظاهرة جديدة تطلبتها ظروف التعليم الحالية وزيادة الكثافة الطلابية خصوصا في المدارس الخاصة العربية. كانت الدروس الإضافية يتم تنسيقها من قبل الإدارة المدرسية للمتطوعين من المدرسين والذين كانوا يمنحونا وقتهم وجهدهم مجانا.رحم الله مدرسينا أحياءً كانوا أم أمواتا وغفر لهم هفواتهم فقد أسدوا لأمتهم الخير الوفير وقدموا لها كل طاقاتهم وجهودهم للنهوض بجيل المستقبل الذي يواجه المحن والمصاعب التي تعصف بالعالم العربي من الشرق والغرب.نعم أنا وبكل فخر من جيل تعلم بالطباشير والحزم في التدريس والالتزام بالدوام المدرسي والاحترام التام للمدرس وأن الأمة العربية أمة واحدة من الخليج إلى المحيط، فلم يكن لدينا سوى العزيمة والإصرار على التفوق والنجاح المتميز، ولم نكن من الباحثين عن المتاعب وخلقها بل نحن جيل الباحثين عن الحلول وصناعتها، فتحية إجلال وتقدير واحترام لكل من ساهم في تعليمنا وجزاهم الله خيرا.
محليات - ثقافة
مشهد / نحن جيل الطباشير
د. زياد الوهر
12:05 م