دعاء فتوح... شاعرة مصرية شابة، تملك معجماً لغوياً متنوعاً ومغايراً وقدرة كبيرة على توظيفه في طرح العديد من الأسئلة الوجودية التي تشغل تفكيرنا عن القدر والحياة والموت والحب.فتوح التي تسبر أغوار العامية المصرية، صدر لها حديثًا ديوانها الثاني «الناس انصاص» عن دار تويتة، وينقسم إلى ثلاثة فصول، هي «نيجاتيف»، و«ألوان رصاص»، و«بديهي» تحاول فيها بحسب ما تقول: «الكشف عن الروح التي نحملها بداخلنا والتي لا يراها الناس».وفي حوارها مع «الراي»، ترى فتوح اننا نتعامل مع الصورة الظاهرة، لكن هناك لهذه الصورة «نيجاتيف» خفيّ لا يراه الناس، وهو صورتنا الحقيقية، مشيرة إلى انها حتى في «ألوان رصاص» تتساءل عن الظلال التي نحملها بداخلنا، التي تمكننا من رؤية العالم بصورة مغايرة.وأشارت دعاء فتوح، إلى إنها في الفصل الأخير «بديهي»، تتناول الأشياء والمشاعر البديهية التي لا تحتمل القسمة على اثنين، مثل الحب واليقين والإخلاص، وهذا نص ما دار معها من حوار:? للصورة والمشهدية السينمائية حضورهما البارز في ديوانك.. برأيك إلى أي مدى أصبحنا نعيش في عصر الصورة؟ـ إلى مدى بعيد... فقد تعلمنا ونحن صغار أن مداخل الإيمان والإدراك والوعي هي السمع والبصر والفؤاد، والكلمة التي تُسمع عندما تمتلك القدرة على التجسد لتصبح صورا واضحة أمام المتلقي، تستطيع بسهولة الدخول إلى قلبه.? في قصائد «طينة نية» و«استغماية» و«رمادي»، هناك حضور بارز للهواجس والقلق إلى أي مدى يمكن للشعر أن يطرد تلك الهواجس ويعطينا الطمأنينة؟ـ الكتابة هي طريقتي لاكتشاف نفسي وعلاقتها بالعالم، فأنا أفكر بصوت عال مع الورقة والقلم، وعادة ما أكتب بمعاناة فأضع جزءاً حقيقياً من نفسي فيما أكتب، وبعد ذلك ببساطة يختفي الهاجس والقلق وأجد لحظة اطمئناني.? في العديد من القصائد تطرحين أسئلة مهمة عن القدر والموت وعلاقة الإنسان بذاته وبالمجتمع، لكنك لا تضعين إجابات واضحة... أين يمكن للقارئ أن يجد إجابات لهذه الأسئلة، وهل الشعر دوره فقط طرح الأسئلة أم أنه يستطيع في بعض الأحيان أن يعطي لنا إجابات؟ـ الأسئلة الوجودية هَمٌّ إنسانيٌ مشترك، وأنا أعتقد أن لكل سؤال ملايين الإجابات الممكنة، وتلك الإجابات تحتمل بعض الصواب وبعض الخطأ الذي تكسبنا التجارب القدرة على تصويبه. لذلك نكتشف دائما إجابات جديدة، وطرح الإجابات الحالية كمسَلّمات سيغلق عليّ وعلى القارئ متعة الاكتشاف والبحث النابع من تفاعل كل منا بحسب اختلاف التجربة وتنوعها.? وسط البلد حاشدة بقوة في الديوان.. كيف ترين علاقتك بوسط المدينة بكل ما تحمله من تاريخ وثراء أدبي؟ـ كتبت ديواني الأول «فركة كعب» في ظل تجربتي كطالبة جامعية بحس ساذج لفتاة لا تحمل هَمّا للغد، وتعتمد على أسرتها في تكوين تجاربها بعيدا عن الاحتكاك المباشر والواضح مع الحياة العملية. وبعد تخرُّجي، عملت محررة ثقافية في صحف مختلفة، وكانت منطقة «وسط البلد» هي منبر احتكاكي الأول بالتجربة العملية بكل ما تحمله من خبرات إنسانية. ولذلك فإن علاقتي بها هي علاقة تلميذ بمعلّم علّمه القدرة على اكتشاف نفسه ومواجهة مناطق ضعفها، والقدرة على قبول الآخر والتواصل مع العالم المحيط بكل ما يحمله من متناقضات.? هناك حالة من السجال الدائم بين شعراء العامية والفصحى.. كيف تتأملين هذا السجال، ولماذا اخترت أن تكتبي قصيدة العامية؟ـ الإبداع في عمومه طريقة إنسانية للتعبير بشكل راقٍ عن كل ما نشعر به، وأعتقد أن معنى كلمة سجال هو تعادل القوة بمعنى أنه لا يوجد هناك غالب أو مغلوب، والصراع ما بين الأنواع الأدبية المختلفة في رأيي أمر مفتعل، لأن الفنون في مجملها تتكامل ولا تتصارع، وإلغاء نوع أدبي لن يعلي من شأن النوع الآخر.والأمر بسيط، ففي البداية كنت أحاول كتابة الشعر باللغة العربية الفصحى، ولكنني اكتشفت أن قدرتي على التعبير عن نفسي وتجاربي أفضل في كتابة الشعر باللغة العامية، لهذا فأنا لم أختر العامية ولكن العامية هي التي اختارتني.? الشتاء حاضر بقوة أيضا في الديوان.. ما سر ارتباطك بالشتاء تحديداً، وبرأيك إلى أي مدى يمكن للطقس أن يؤثر على طاقة الكاتب الإبداعية؟ـ الشتاء طقس بارد، يحمل في طياته قدرتنا على البحث عن الدفء الذي يكمن في الاقتراب من كل شيء، من أنفسنا وملابسنا وبيوتنا ومجالس صحبة نحبها، فهو فصل ولدت فيه، وإن طال بي العمر سأموت فيه.? بجانب شعر العامية كتبتي مجموعة قصصية أيضا... ما الذي وجدتيه في القصة ولم تجده في الشعر والعكس؟ـ بالنسبة لي الشعر تكثيف للحظات شعورية أمرُّ بها، تجسيد مباشر لنفسي بهمومها وتفاصيلها البسيطة. أما السرد فاكتشفت معه مساحة كبيرة للخيال والحكي داخلي، واختبرت من خلاله متعة أن أعبّر بصدق عن طاقة كانت مختزلة لديّ القدرة فيها على التبدل والتغير والانقسام إلى ملايين الذوات التي تحتلني دون خوف.? كيف تنظرين للمشهد الشعري في ظل حالة الحضور الطاغي لفن الرواية؟ وهل تتفقين مع وجهات النظر التي تتحدث عن كون الرواية صارت ديوان العرب الجديد؟ـ الشعر في رأيي كان ولايزال وسيظل ديوان العرب، لأنه يجسد قدرتهم الفذّة على تجسيد لحظتهم الشعورية الخاصة، وأعتقد أنني فعليّا أفكر بالتجريب في كتابة الرواية، فالتجريب وسيلة للاكتشاف والتعلم والنضج، وتصب دائما في تطوير قدرة الكاتب على التعبير.
محليات - ثقافة
الشاعرة المصرية الشابة ترى أن الصراع بين الأنواع الأدبية «مفتعل»
دعاء فتوح لـ «الراي»: اكتشفت نفسي وما حولي... بـ «الكتابة»
07:36 م