لعلّ أكثر ما يهدّد المنطقة في مرحلة ما بعد «الربيع العربي»، وحتّى قبله، الدور التخريبي الذي تقوم به الميليشيات المذهبية بهدف واحد وحيد يتمثّل في القضاء على النسيج الاجتماعي لدول معيّنة مثل لبنان وسورية والعراق واليمن... وصولا الى ليبيا.صار «داعش» في كلّ مكان. هناك ايضا الدواعش الشيعية التي لا يفرقّها شيء عن «داعش» السنّية، بدليل ما فعلته هذه الدواعش ببلد مثل العراق الذي بات مستبعدا، في غياب اعجوبة، ان تقوم له قيامة يوما.من هذا المنطلق كان مهمّا ان يتخذ مجلس جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية موقفا حازما من الدواعش الشيعية التي نجدها في وضع المتواطئ مع «داعش»، كما حصل اخيرا في تدمر بغطاء من سلاح الجوّ الروسي!ينطفئ الامل بغد افضل في كلّ بلد تتحكّم فيه الميليشيا بالمؤسسات الرسمية. ينطفئ كلّ امل في اعادة بناء الدولة. ما يؤكد انهيار الدولة في سورية، هذا اذا كانت هناك في الاصل دولة، ان النظام فيها صار تحت رحمة ميليشيات مذهبية جاءت من لبنان والعراق وايران. وما يؤكد انهيار العراق ان الاصلاح صار مطلبا لميليشيا، مثل تلك التابعة لرجل الدين مقتدى الصدر!لا يمكن لليمن ايجاد صيغة جديدة تعيد اليه السلم الاهلي بوجود ميليشيا مثل «انصار الله» تعتقد انّ في استطاعتها التحكّم بمقدرات البلد، خصوصا ان لا مشروع سياسيا او اقتصاديا لدى هذه الميليشيا، باستثناء تسليم البلد الى ايران وتحويل اليمن الى مجرّد مستعمرة.تبقى الميليشيا ميليشيا، بغض النظر عن الطائفة او المذهب. ففي ليبيا قضت الميليشيات السنّية على اي احتمال للخروج من حال الشرذمة التي اسس لها نظام معمّر القذّافي والتي تبلورت بعد الانتهاء منه. من يستطيع اعادة تركيب ليبيا مجددا؟ الجواب ان كلّ الدلائل تشير الى ان ليبيا لم تعد قابلة لان تكون دولة موحّدة على الرغم من الوضع القائم فيها حاليا بات يشكّل تهديدا لكلّ منطقة شمال افريقيا، خصوصا للجزائر وتونس.وسط كلّ هذا الصعود للحالات الميليشيوية في المنطقة، لا مفرّ من تذكّر لبنان الذي كان اوّل من عانى من الميليشيات، خصوصا منذ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969.في كلّ مرحلة من مراحل تاريخه الحديث، كان لبنان ولا يزال ضحيّة الميليشيات، كلّ انواع الميليشيات. كان لبنان اوّل من دخل عصر الميليشيات. لم يخرج منه بعد. هل يكون اوّل الخارجين منه من بين دول المنطقة؟عاش لبنان عهود كلّ الميليشيات الفلسطينية والميليشيات الطائفية المسيحية والمسلمة، وهو يعيش الآن عهد الميليشيا المذهبية التي تسمّي نفسها «حزب الله».لا تكمن اهمّية اتفاق الطائف في انّه مهّد لمرحلة سمحت بالعمل من اجل الاستتباب السلمي الاهلي فحسب، بل ان الطائف سمح بالتمهيد ايضا للانتهاء من الميليشيات، كلّ الميليشيات.تعثّر الطائف عند الميليشيا التي فرضتها ايران على لبنان بواسطة النظام السوري. كان هذا النظام في اساس تدفّق المسلحين الفلسطينيين على لبنان في اواخر الستينات من القرن الماضي. كان حافظ الاسد لا يزال وقتذاك وزيرا للدفاع.لم يتخل النظام السوري يوما عن فكرة اخضاع لبنان عبر الميليشيات. دخل الى لبنان عسكريا وامنيا متذرعا بهذه الحجة. تحوّل الى الميليشيا الكبرى التي تهيمن على الميليشيات الصغرى، الى ان جاء اليوم الذي خرج فيه من لبنان نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تاركا لايران ملء الفراغ الامني والعسكري الناجم عن هذا الخروج.في هذه المرحلة الحساسة التي يمرّ فيها لبنان، وهي مرحلة انتقلت فيها الهجمة الميليشيوية عليه الى مزيد من التصعيد الذي يعبّر عنه منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يُفترض في اللبنانيين استيعاب اهمية خروج بلدهم من عصر الميليشيات بشكل نهائي.من يزور لبنان هذه الايّام، يكتشف كيف ان كلّ شيء فيه معطّل. مجرّد رحلة مسائية، من بيروت الى جبيل ومن جبيل الى بيروت، كافية للتأكّد من غياب الدولة. هناك في الطريق سيارات لا تحمل لوحات. وهناك سيارات من دون اضواء. وهناك سيارات تتجاوز السيارات الاخرى بطريقة في غاية الخطورة.هناك غياب تام للدولة وحضور طاغ لعصر الميليشيات الذي يجعل عين المواطن تدمع لدى مروره في مطار رفيق الحريري في بيروت الذي بات يشبه مطارا في احدى المناطق الريفية في اوروبا او في دولة متخلفة من دول العالم الثالث.يمكن الاسترسال طويلا في عرض الوضع المأسوي الذي يعيشه لبنان، في ظل الحملة المركّزة على الوجود العربي، خصوصا الوجود الخليجي فيه، والاصرار على جعله تابعا لايران ولسياستها القائمة على اثارة الغرائز المذهبية من جهة وعلى عزل الوطن الصغير عن محيطه الطبيعي من جهة اخرى.من هذا المنطلق، يبدو كلّ كلام عن حقوق هذه الطائفة او تلك من النوع المضحك ـ المبكي لا اكثر. ثمّة حاجة بكل صراحة الى خطوة عملية تستهدف تأكيد ان اللبنانيين يريدون الخروج من عصر الميليشيات تمهيداً لبلوغ مرحلة يصبح فيها البحث ممكنا في مستقبل النظام السياسي، اي اين نجح الطائف واين اخفق؟البداية تكون بالنزول الى مجلس النوّاب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، من منطلق ان رئيس لبنان ينتخبه النوّاب المسلمون والمسيحيون كونه يرمز الى وحدة البلد والشعب وما بقي من مؤسسات الدولة.من لا ينزل الى مجلس النوّاب لانتخاب رئيس للجمهورية، ويدلي بتصريحات ذات طابع عنصري ضدّ السوريين، يعمل فقط من اجل ديمومة عصر الميليشيات الذي يعبر عنه كلام من نوع ذلك الذي صدر اخيرا عن الشيخ محمد يزبك، الوكيل الشرعي للمرشد في ايران (السيد علي الخامنئي) في لبنان. اعلن يزبك رفض العودة الى عهد «المارونية السياسية». هل من كلام اكثر وضوحا من هذا الكلام عن الرغبة الايرانية بالتذرع بانّه كانت هناك «مارونية سياسية» في لبنان، من اجل تكريس عصر الميليشيات، اي عصر «حزب الله» وهيمنته على البلد وعلى الطوائف الاخرى؟لم تعن «المارونية السياسية»، بكلّ علاتها في يوم من الايام القضاء على مؤسسات الدولة اللبنانية. اذا بقي شيء من لبنان، فانّ الفضل في ذلك يعود الى «المارونية السياسية» والى مرحلة النماء والاعمار التي قادها رفيق الحريري بعد اتفاق الطائف. لم يكن من هدف لهذه المرحلة سوى القضاء على الميليشيات والخروج من الحرب الاهلية التي يصرّ «حزب الله» على استمرارها لتبرير تمسكه بسلاحه الذي لم يعد موجها ضد اللبنانيين، بل ضد السوريين ايضا...انّه عصر «داعش» والدواعش في الشرق الاوسط!