شاهدت قبل أيام مقطع فيديو لكلمة رائعة ألقيت في حفل نظم قبل تسع سنوات لمناسبة الذكرى الأولى لاغتيال عضو في مجلس النواب اللبناني. لا أريد أن أذكر، في المقدمة، اسم المتحدث ولا العضو المؤبن، حتى لا أبني جدارا نفسيا بينك وبين جمال الخطاب وغايته. فأنا أرى أن هذا الخطاب الذي سمعه اللبنانيون قبل عقد من الزمن تقريبا، يجب أن يسمعه الكويتيون هذه الايام مع دخولنا في معترك الانتخابات البرلمانية المقبلة.حاز المتحدث اللبناني على اهتمامي عندما تساءل في مقدمة كلمته «كم سنة بعد راح ننطر لنشوف خلاص لبنان، كم قلب بعد لازم ينكسر، كم بيت بعد لازم يخسر، كم بيت بعد لازم يخرب، كم لبناني بعد لازم ينام على الهم ويقوم على الغم، كم شاب وصبية لازم يفلوا لتجتمعوا وتتفقوا وتقرروا تنهوا هالوضع المأسوي اللي إحنا فيه والانقسام المرعب»؟وجدد امتلاكه لسمعي، حين قال «بتقولوا انكم مؤتمنين على سيادة لبنان، بتقولوا انكم مؤتمنين على سلامتنا، وانتو بتعرفوا انو نحنا مش بخير، انتوا فتفتوا هيدا البلد، انتو بدكم تعملوه وطن على قياس الطوائف والأحزاب، انتو بدكم تعملوه على أد الكرسي، هو أكبر منكم بكثير».واستكمل مخاطبا النخب السياسية اللبنانية، «انتو اللي فرّأتونا، وأنتو اللي أسّمتونا بألب البيت الواحد، وانتو اللي شرذمتونا، انتو ربطتوا اصتنا بإصص نص الكرة الأرضية». ثم سألهم «كيف بتأبلوا انتو ان نكون نحنا شعب كل ما تأتلوا اثنين بالصين نحنا لازم ناكل اتله هون؟ ليش لازم نحنا اللي ننضرب؟ ليش لازم نحنا ندفع من ارزائنا واعصابنا؟ ليش لازم نحنا نموت عنهم مو هم اللي يموتوا عن حالهم؟ ليش نحنا لازم نكون الورأة اللي بيلعب بيها الكل»؟ثم اعقب - بنبرة غضب ممزوجة بعبرة حزن خانقة - «أنا هون بؤول بيكفّي. وإذا حكيت مش لأني أنا الي علاءة بالسياسة. أنا مرا بغنّي ما الي علاءة بالسياسة، وفي اكتار مثلي، بين الأولين والتانيين وما بعرف مين، بين الكل نحنا علئانين... تركونا نعيش.باسم الحق، باسم ربنا يللي بيتؤلوا انكم بتحبوه وانكم بتتحركوا باسمو، تركوا هي الدولة، دولة. من مصلحة مين يكون هيدا الوطن بلا سأف، من مصلحة مين يصير مية دولة، بعد شوي بالحي اللي نحنا فيه راح نعمل دولة لإلنا ولحالنا... هيدي دولة لازم تكون منصانة والى كرامة والى كلمتها».لا استبعد أن تكون قد عرفت من هو المتحدث اللبناني فور قراءتك مقدمة خطابه، وعلمت أنه المطربة ماجدة الرومي. لست هنا بصدد تقييم شخصها، فما يهمني في هذا المقال هو تقييم كلمتها من المنظور الوطني ومقارنتها بخطابات التخندق الطائفي التي يتبناها المفاتيح الانتخابية من رجال الدين.المطربة تؤكد أهمية محورين، هما السيادة الوطنية والنسيج الوطني، وتحمل السياسيين - المتنافسين على الكراسي - مسؤولية هتك السيادة وتمزيق النسيج اللبناني. وفي المقابل، تجد أن المفاتيح الدينية في الكويت تدعو إلى إيصال بعض السياسيين إلى الكراسي الخضراء على حساب السيادة واللحمة الوطنيتين. ولا بد من الاشارة إلى أنني لا أقصد جميع المعممين والمشايخ، فأنا أعرف منهم من يقوم بدوره الارشادي المتوقع ويدعو الناخبين إلى اختيار الأكفأ في ترسيخ الحوكمة الرشيدة وتعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية ويوصيهم بالتصويت للأقوى في اجتثاث الفساد وصوره، كالتمييز الفئوي.احذروا من المفاتيح الانتخابية الدينية التي اعتادت في المواسم الانتخابية أن تنمّي فينا مشاعر الكراهية ضد الطائفة الأخرى وترسخ فينا الخوف والريبة منها، فغرضها الأول هو تجديد العضوية لنواب حاليين وإن كانوا ممن نقض وعوده وتعهداته الانتخابية ونكث قسمه الدستوري.أتساءل، لماذا لا يجرم هذا السلوك الانتخابي المقنع بالدين رغم أن أضراره أشد من جريمة شراء الاصوات؟الغريب أن من كان بالأمس القريب يشتكي من فساد بعض النواب وسلبيتهم، خصوصا في ما يتعلق بالتصدي لمظاهر التمييز، أصبح اليوم يحذرنا من فقدان الطائفة لبعض كراسيها في الانتخابات المقبلة، ويناشدنا التركيز على الأقوى انتخابيا - من داخل البيت الطائفي - وإن كان الأسوأ برلمانيا.أقول لهؤلاء إن المقعد الذي خسرناه هو مقعد النائب الراحل نبيل الفضل، والمقاعد التي سنخسرها في الانتخابات المقبلة هي المقاعد التي سيسترجعها بعض النواب الحاليين ممن لا يملكون مشروعا اصلاحيا وممن مشاريعهم تخل بسيادتنا الوطنية وتهتك نسيجنا المجتمعي...«اتركونا نعيش».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
مطربة... ورجال دين
07:00 م