في يوم الخميس الموافق 25 فبراير الماضي، تعرضت دورية تابعة للإدارة العامة للمرور لـ «عملية ارهابية» أثناء تنظيمها حركة المرور في دوار دسمان في الكويت العاصمة، ونتج عن هذا الاعتداء الآثم استشهاد الشرطي تركي محمد العنزي وإصابة ستة من رجال الداخلية.تبين لاحقا أن المتهم - بدهس وطعن عناصر من رجال الداخلية - يعتنق أفكار تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وأنه كان يفكر في ارتكاب الحادث حتى رأى الفرصة المناسبة فنفذ جريمته. كما كشفت مصادر حكومية أنه خضع في وقت سابق للمناصحة من قبل وزارة الأوقاف، وكان يمر بمرحلة تشدد جعلته مشوشاً فكرياً. كما أنه سجل في إحدى دور القرآن في البلاد، وكان يحضر في شكل منتظم، وتبين من خلال المناصحة أنه يعتنق أفكاراً متطرفة، ويتابع العديد من الحسابات المشبوهة على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى أنه حصلت له حادثة سابقة ودخل على إثرها مستشفى الطب النفسي قبل ثلاثة أشهر.أعزي الشعب الكويتي بفقده أحد رجاله في عيده الوطني، وأسأل الله أن يتقبله شهيدا سعيدا في أعلى العليين. كما أعزي الحكومة في مؤسساتها التي ثبت فشلها في «تقويم إرهابي» بعد ما عجزت عن منع توغل الافكار التكفيرية إلى عقله وعقول شبابنا. بل ان الكرب أكبر من ذلك، فاليوم وبعد استشهاد أحد شبابنا وإصابة آخرين، لم تتحرك أي جهة حكومية لمعرفة أوجه القصور في خدمات المناصحة ودور القرآن الكريم التي حالت دون ابلاغهم الجهات المعنية بما يعاني منه المتهم، وقد يكون هناك آخرون لكنهم لم يروا الفرصة المناسبة بعد لتنفيذ ما في نواياهم.للأسف بيننا كثيرون ممن تعاطى بسطحية مع قضية الارهابي الذي اباح دماء عسكريين مسالمين، فمنهم من فرح عندما علم بأن المتهم لا ينتمي إلى تنظيم «داعش» وأن جريمته كانت فردية ومن غير التنسيق مع أفراد آخرين وبلا إيعاز من تنظيم ارهابي. لكن واقع الأمر أن من يحمل فكرا تكفيريا، ممن يعتقد بجواز بل وجوب قتل المسالمين فقط بسبب انتماءاتهم العقدية أو الوظيفية، وينتظر الفرصة المناسبة لتطبيق فهمه لشرع الله، هو أخطر على المجتمع ممن يعمل ضمن مجموعة ويتلقى الاوامر من تنظيم يمكن اختراقه من قبل الاجهزة الامنية. ولكنني في الوقت ذاته، لا استبعد أن تكون وزارة الداخلية قد تعمدت تخفيف واقع الهجوم الارهابي من أجل رعاية احتفالات الاعياد الوطنية، وهذا من بين ما منعني من استعراض الموضوع في مقال الاسبوع الماضي.هناك العديد من الامثلة على سطحية مناولة البعض للأعمال الارهابية التي تعرضت لها الكويت اخيرا، فمنهم من يعتبرها لا تستحق التهويل، لأن معظم دول العالم تعرضت للإرهاب وغالبا بدرجات أقسى، ومن بينهم من يكتفي بربط تلك الجرائم الارهابية بعدوه الايديولوجي. وقد يكون أكثرهم ضررا على أمن المجتمع هو من يؤطر الأزمة في حدود الاختلاف في اعتبار الجاني، ارهابيا او مريضا نفسيا، من دون التساؤل عمن حوّله إلى ارهابي أو مريض نفساني، ولا عمن هيّأ البيئة الخصبة لذلك التحويل من أجل محاسبتهم ومعاقبتهم ومنعهم من ارتكاب المزيد.لا شك بأن قضية هؤلاء المرضى الارهابيين تحتاج إلى المزيد من الاهتمام من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية. لذلك فلابد من تنظيم ورش عمل ودراسات ميدانية وفق الاسس العلمية ذات العلاقة من أجل معرفة أشمل وأعمق لأبعاد الأزمة وأسبابها ومسببيها، ولكي توظف توصياتها في توجيه الاجهزة الامنية في تصديها للإرهابيين المستقلين الباحثين عن فرص لتنفيذ جرائمهم، ولمساعدة مؤسسات الثقافة الاجتماعية في تطوير نفسها وتباعا معالجتهم.لذا أدعو القائمين على مكتب الانماء الاجتماعي، لما يمتلكه من خبرات وقدرات في تنمية المجتمع، المعني بنشر ثقافة الوسطية، الى احتضان تلك الدراسات وورش العمل، ومن ثم تقديم نتائجها إلى ديوان سمو رئيس مجلس الوزراء من أجل تبنيها ... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية و رأي
الإرهاب ومكتب الإنماء
07:17 م