تابعت باهتمام حلقة من حلقات برنامج مفكرة، الذي يقدمه الأستاذ يوسف عبد الحميد الجاسم، وسبب اهتمامي أن الحلقة كانت مخصصة للثقافة، والسبب الآخر أن ضيفي الحلقة كانا الشاعر والباحث الدكتور خليفة الوقيان والأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المهندس علي حسين اليوحة، وكان الحوار ثرياً ومفيداً، أحيا الضيفان من خلاله البرامج الثقافية التي افتقدناها منذ زمن طويل.لكن عبر جوابه حول متى كانت فترات تراجع الثقافة، أجاب الأستاذ علي اليوحة: أن التراجع بدأ منذ تسعينات القرن الماضي، وهذا جواب فيه الكثير من الإجحاف لفترة التسعينات، ففي تلك الفترة خرج المجلس الوطني للثقافة مثخناً بجراح الغزو والاحتلال، حيث كانت هناك خسارة ثقافية فادحة، وكذلك فقد المجلس الكوادر العربية التي كانت تعمل بالثقافة في ذلك الوقت.ولكن بدءاً من العام 1993، وبقيادة الدكتور سليمان العسكري، الذي كان منحازاً وبوضوح للثقافة الرفيعة، وبالتعاون مع زملائه من الكويتيين المهتمين بالثقافة، قام المجلس بنهضة مفاجئة أشبه بالثورة الثقافية، من أجل ليس فقط استعادة ألق الثقافة، ونشاطات المجلس المعتادة، ولكنه وضع نصب عينيه تجاوز تلك المرحلة، وخاصة أن ما حفظ مكانة الكويت أثناء الاحتلال لدى الشعوب الأخرى هو الثقافة، التي ميزت مسيرة البلد والمجتمع منذ القرن الماضي.فمثلاً تم إنشاء مجموعة من الإدارات مثل الإدارة الهندسية، حيث استعان المجلس بالمهندس علي اليوحة من البلدية ليدير هذه الإدارة، وكذلك إدارة النشر والتوزيع، وإدارة الموسيقى، وإدارة الدراسات والتخطيط وغيرها مما لا تحضره ذاكرتي، وألحق بالمجلس إدارات أخرى مثل التراث العربي وإدارة المسرح وغيرها، كما قام المجلس بإنشاء صناعات ثقافية ثقيلة ومشروعات كبرى، قابلة للاستمرار والتطور، مثل مهرجان القرين الثقافي، حيث يعتبر أطول مهرجان ثقافي وأكبرها في الدول العربية، إذ تمتد نشاطاته المتنوعة شهراً كاملاً، وأيضاً مهرجان الطفل الثقافي، وأنشئت الأنشطة المصاحبة لمعرض الكتاب قبل ذلك، وفعّلت جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية، بعد أن كانت مراسيم على ورق لفترة طويلة، ووُضعت شروطها وبنودها ومبالغها، وكذلك تأسست الفرقة الوطنية للموسيقى، حيث كان المرحوم الأستاذ حمد الرجيب أحد المشرفين عليها، وتأسست نواة للفرقة الموسيقية الكلاسيكية، وكذلك بدأ المجلس في تلك الفترة بالاحتفال بمهرجان الموسيقى العالمي، وإقامة معارض مكثفة للفنون التشكيلية، لفنانين مرموقين محلياً وعربياً وعالمياً، كما قام المجلس، ولأول مرة حسب علمي، بإقامة المهرجان السينمائي، إضافة إلى إقامة أسابيع ثقافية داخل وخارج الكويت، وقاد المجلس آنذاك لجنة الاتفاقات الثقافية، التي تشترك بها مجموعة وزارات، وأبرمت اتفاقيات ثقافية مع دول عربية وأجنبية، ولعب وفد الكويت في اللجنة الثقافية التابعة لدول مجلس التعاون دوراً مفصلياً، وكان اعتماد دول الخليج على المبادرات الكويتية، وذات الشيء في إدارة التراث الشعبي لدول مجلس التعاون، حيث قامت الكويت بإنقاذه من الإغلاق من خلال مساهماتها المالية والثقافية، إضافة إلى دور فاعل في اجتماعات وزراء الثقافة في دول مجلس التعاون، ووزراء الثقافة العرب.وفي مجال النشر قام المجلس بإنشاء سلسلة إبداعات عالمية ومجلة فنون، والانتهاء من تحقيق موسوعة «تاج العروس»، بعد ثلاثين سنة من المحاولات، وتطور النشر والتوزيع حتى وصل إلى دول أميركا اللاتينية في التسعينات، وأنشأ المجلس كذلك المراكز الثقافية، مثل مركز عبد العزيز حسين ومركز بيت دكسن الثقافي، ووضع الأساس لمركز كاظمة الثقافي في منطقة الجهراء، على أن تعمم التجربة في كافة مناطق الكويت، وقد كان أكبر إنجاز وأضخمه هو مشروع الكويت عاصمة للثقافة العربية 2001 حيث استمر سنة كاملة، والذي وضع سقفاً عالياً لبقية الدول العربية، التي أرسلت الوفود لدراسة التجربة الكويتية.وهناك تفصيلات كثيرة لمشروعات ثقافية وأنشطة ورؤية استراتيجية ثقافية لا تتيح لنا مساحة المقال لذكرها، هذا عدا عن المشروعات التي لم توافق عليها الدولة، فهل هذه بداية التخلف أم النهوض الثقافي؟ علماً بأن الميزانيات كانت أقل في ذلك الوقت من الوقت الحالي.osbohatw@gmail.com