ليس من حق الحكومة أو مجلس الأمة طرح تخفيض الدعوم المقدمة للمواطنين وفق ما يتم تداوله الآن، لأن ذلك مخالفة صريحة لنص الدستور، هذا ما راه خبراء ومحللون ومتخصصون في الشأن الاقتصادي.واعتبر الخبراء أنه على الحكومة التي اختارت أن تكون راعية ومديرة لاقتصاد البلد، أن تجد الحلول المناسبة، بعيداً عن جيوب ومصالح المواطنين، وبرزت تباينات بين المتحدثين فيما يتعلق ببعض المحاور، خصوصاً ما يتعلق بموضوع السحب من الاحتياطي العام وتوفير الطاقة، وأي جهة حكومية المسؤولة عن التوفير وخفض الدعم.كلام الخبراء جاء خلال ندوة أقامتها جمعية الخريجين حول «رفع الدعوم والحالة الاقتصادية للدولة»، وأدارها رئيس الجمعية عبد العزيز الملا، وتحدث فيها كل من رئيس مجلس إدارة البنك التجاري علي الموسى، وأستاذ ورئيس قسم الاقتصاد في جامعة الكويت الباحث في اقتصاديات الطاقة الدكتور مشعل السمحان، والدكتور عباس المجرن.وقال علي الموسى إن ما هو مطروح حالياً من قرارات يمس الحياة الاجتماعية بناء على دستور الدولة الذي يتحدث في المادة 20 عن أن العدالة الاجتماعية أساس النظام الاقتصادي، وهذا ما توافقت عليه مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخروج عنه يخلق مشكلة كبيرة.وأضاف أن الدولة حددت قيمة العجز بنحو 12 مليار دينار، فلماذا لا تأخذها من الاحتياطي العام وستكون الأمور بخير، مبيناً أن الموافقين على خفض الدعم يتحدثون عن أفكار ومقترحات، لكن محصلتها تكون الأخذ من جيوب من الناس.وتساءل الموسى «هل نسينا أنه لدينا اختلالات هيكلية في الاقتصادي والإدارة العامة للدولة؟، مشيراً إلى أن نتيجة ذلك ظهرت مدرستان إصلاحية ومحاسبية، الأولى تتعلق بدراسات وتقارير قدمها صندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية متخصصة أخرى طالبت الكويت بضرورة تنفيذ إصلاحات اقتصادية، غير أن الحكومة لم تفعل، لافتاً إلى أنه لا يمكن أن يكون الحل بالمسكنات، بل من خلال العلاج الجذري.واستغرب الموسى لجوء الحكومة لمكتب محاسبي«إرنست ويونغ»لمساعدتها بوضع خطة للإصلاح، لافتاً إلى أن هذا المكتب لا يعرف شيئاً عن العدالة الاجتماعية، لذلك جاءت توصياته كلها إصلاحية، وعاب على المعنيين عدم دراسة ما تسمى المظاهر التضخمية، في حال رفع سعر مادة معينة وأثرها على أسعار المواد.وأضاف «نحن من حيث لا ندري نهدد الأمن الاجتماعي، فحين رفعت الدولة أسعار الديزل والكيروسين شاهدنا أثرها»، لافتا إلى أن الكويتيين في معهد الأبحاث قادرون على دراسة الوضع ورسم الحلول.وأشار الموسى إلى أن الحكومة تسيطر على 70 في المئة من الاقتصاد، والقانون أباح لها ذلك، وبالتالي هي من عليها تحمل المسؤولية، مشدداً على أنه لا حاجة إلى تشريعات جديدة بل إلى إدارة رشيدة، منوهاً بأنه مقارنة بعدد السكان فالكويت قادرة على توفير عيشة كريمة للمواطنين، لكنها تمنعهم من أن يعملوا، ليخلص الى القول«لدينا القنوات الصحيحة لكن تنقصنا الإرادة».من ناحيته، استهل الدكتور مشعل السمحان حديثه بطرح سؤال على الجمهور داخل القاعة «هل انت قلق من انخفاض أسعار الطاقة، لذلك حضرت الندوة، أم لأنك متأكد من عدم قدرة الحكومة على حل المشكلة؟»، إذ وافق الجميع تقريباً على أنه حضر لأنه قلق، لكن يرى أن القلق الأكبر هو من كيفية تعامل الحكومة مع هذا الأمر.وأشار إلى أن تراجع الأسعار بدأ منذ نحو سنتين من 100 دولار للبرميل إلى 25 أو 26 دولاراً، لكن المخاوف أو المشكلة بدأت منذ العام 2006، مبيناً أن أسواق الطاقة تتبدل، ومن كان يستشرق أو يحلل للمستقبل كان يمكن ان يشير الى ما نحن فيه الآن، لكن الأزمة المالية العالمية هي التي عطلت حدوث الانخفاض في أسعار الطاقة، بالإضافة إلى أن الطاقة البديلة مثل الطاقة النووية والشمسية أخذت حصتها بديلاً عن الغاز الذي كان يستخدم توليد الطاقة.وأضاف أنه في العام 2014 بدأت تظهر تخمة في الأسواق، وظهر وجود نحو 2.4 مليون برميل فائض في الأسواق، في حين كان الفائض عام 2006 مئات الآلاف فقط، لافتاً إلى أن«هذه التخمة لم تكن السبب الوحيد في انخفاض الأسعار، ولا يمكن القول إن أميركا أرادت ذلك، ولكن هناك إرادة سياسية ركبت عربة فائض المعروض ونمو الأسواق الآسيوية، و«بتنا اليوم نعيش توافقا بين الضغط السياسي والاقتصادي على الأسواق»، وهناك من يتحدث ان الحال هذه ستسمر إلى العام 2018، وبالتالي ميزانيات الدولة ستبقى مهددة طوال تلك السنوات، واصفاً الحال حالياً كمن يرقص على الحبل».ورأى السمحان أن الحلول كانت ستكون أسهل لو تمت من بداية العام 2015، وأن حل المشكلة لا يتم بخفض الإنتاج بهدف زيادة الأسعار، لأن الأمور تعقدت أكثر، لافتاً إلى أن الكويت لا تتحكم بأسعار النفط ولا تستطيع تصدير 4 او 5 ملايين برميل يومياً لأن الكميات تحددها منظمة أوبك، كما أنها لا تتحكم بأسعار صرف الدولار، ولذلك المصدات بوجه الأزمة غير موجودة، في حين كان لدى الدولة مصدات في الستينيات لمواجهة أي متغيرات.المجرنمن ناحيته، قال الدكتور عباس المجرن إن عدم وجود دعم الذي تتحدث عنه الحكومة ناتج عن حسابها للتكلفة باستخدام تكلفة الفرصة البديلة غير صحيح، لأن حساب التكلفة لا يكون صحيحاً إذا لم يحسب باستخدام الفرصة البديلة، لافتاً إلى أن براميل النفط التي تستهلك في إنتاج الكهرباء والماء وفي إنتاج وقود السيارات في الكويت والتي تصل إلى 400 الف برميل يومياً لها قيمة في السوق العالمي ولو لم تكن تستخدم لتمكنت الدولة من بيعها وتحقيق إيراد منها وبالتالي فان تكلفة فرصة بيعها هي تكلفة حقيقية وليست وهمية.ورأى أن موضوع الدعوم له علاقة بالإنفاق العام في الميزانية وهو من صميم اختصاصات المالية، لافتاً إلى أن لجنة الدعوم الحكومية التي تدرس الدعوم، والتي تعاقدت على إعداد دراستها تضم بالفعل 19 جهة حكومية وليست وزارة المالية فقط.وأفاد المجرن أن ما قاله الموسى من أن الحكومة تستطيع تغطية العجز بأكمله من الاحتياطي العام غير صحيح، لأن معظم أصول الاحتياطي العام تستثمر في السوق المحلي والأسواق الاقليمية، مشيراً إلى أنه نتيجة ما تمر به المنطقة من حروب وكوارث، فإن قيمة هذه الاستثمارات منخفضة حالياً وبيعها من أجل تحويلها إلى سيولة سينتج عنه خسائر.وتابع أنه بالنسبة الى صندوق احتياطي الأجيال القادمة فإن القانون يحظر المساس به كما يحظر على الحكومة الاقتراض، ولذلك فان معالجة مواطن الهدر في الانفاق وتخفيض الدعوم هي أحد المخارج التي تحاول الحكومة اللجوء إليها الآن.
اقتصاد
في ندوة «الخريجين» عن «رفع الدعوم»
علي الموسى: لماذا لا يسدّ العجز من «الاحتياطي»؟
الموسى والسمحان والمجرن خلال الندوة (تصوير نور هنداوي)
02:18 ص