زارت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الجماهيرية الليبية والتقت العقيد معمر القذافي، الذي حرص على عدم مصافحتها، بعدما أكدت ما معناه أن أهمية ليبيا تتجاوز النفط. بكلام أوضح... لليبيا موقع استراتيجي في استطاعة الولايات المتحدة الاستفادة منه، أكان ذلك على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي. ليبيا يمكن أن تقدم تسهيلات عسكرية للأميركيين، خصوصاً أنها بلد آمن يسيطر عليه الجهاز الأمني القوي الذي عرف كيف يواجه الإرهاب حتى قبل أن يستفيق الأميركيون عليه. وليبيا يمكن أن تكون منطلقاً سياسياً واقتصادياً للأميركيين في اتجاه القارة السمراء. لا بدّ أن يكون المرء غبياًَ كي لا يدرك أن أفريقيا تمثل المستقبل بالنسبة إلى قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، وأن الأعوام المقبلة ستشهد صراعاً على الثروات الأفريقية، خصوصاً على ما يختزنه باطن الأرض فيها. دارفور ليست سوى نموذج على نوع الصراعات التي ستشهدها أفريقيا في المستقبل القريب.
/>أين كانت ليبيا قبل أعوام قليلة، وأين صارت الآن؟ كانت بلداً محاصراً منبوذاً من المجتمع الدولي وإذا بها الآن بلد يحجّ إليه رؤساء الدول ورؤساء الوزارة في الدول الأوروبية. أكثر من ذلك، يأتي رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلوسكوني للاعتذار عن مرحلة الاستعمار، والموافقة على دفع خمسة مليارات (بلايين) دولار في شكل تمويل لمشاريع تنفذ في الجماهيرية في الأعوام العشرين أو الخمسة والعشرين المقبلة. يترافق ذلك مع تعهد لبرلوسكوني باسم حكومته وبلده بأن الأراضي الإيطالية لن تستخدم من حلف شمال الأطلسي لمهاجمة ليبيا مستقبلاً. المبلغ الذي تعهدت به إيطاليا ليس كبيراً، لكنه تعبير عن اعترافها بارتكاب فظاعات في ليبيا خلال فترة استعمارها للبلد، ما فعله برلوسكوني دليل على وجود حق لليبيا في الحصول على تعويضات عما لحق بها في الماضي من جهة، وعلى وجوب أن تكون العلاقة بين الجماهيرية وأي دولة أوروبية وغير أوروبية علاقة متوازنة تستند إلى الأخذ والعطاء من جهة أخرى.
/>جاءت رايس إلى ليبيا بعد التوصل إلى اتفاق على التعويضات التي ستدفعها الجماهيرية إلى ذوي ضحايا كارثة تفجير طائرة «بانام» فوق لوكربي في العام 1988. لكن ما لا يمكن تجاهله أن ما حصل كان صفقة شملت أيضاً حصول ذوي الضحايا الليبية على تعويضات عن الغارات الأميركية التي استهدفت الجماهيرية، بما في ذلك منزل العقيد معمر القذّافي في طرابلس في العام 1986 حيث قتلت ابنته بالتبني. هنا أيضاً ثمة توازن في العلاقة بين الجانبين الأميركي والليبي. هذا التوازن يؤسس لعلاقة جديدة بين الجانبين ذات طبيعة مختلفة ترتكز على المصالح المتبادلة وعلى ما تتطلع إليه الولايات المتحدة، أكان ذلك بالنسبة إلى دول شمال أفريقيا أو إلى الداخل الأفريقي.
/>يصعب فهم التطور الذي طرأ على العلاقات بين طرابلس الغرب وواشنطن من دون العودة إلى الماضي. ما لا بدّ من تذكّره أنه في عزّ الحصار الأميركي لليبيا منتصف التسعينات من القرن الماضي، وهو حصار ارتدى طابعاً دولياً بعدما استطاعت الولايات المتحدة اتخاذ قرارات في هذا الشأن في مجلس الأمن، الذي بقي لفترة طويلة أسير واشنطن، كانت محاولات لتجاوز الحصار. من بين تلك المحاولات، التي لم يكن المفكر المصري الراحل لطفي الخولي بعيداً عنها، مشروع يقضي بإعلان الوحدة المصرية - الليبية بما يؤدي إلى نشوء كيان سياسي وجغرافي جديد لا تنطبق عليه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن نظراً إلى أنها قرارات تتعلق بليبيا وحدها وليس بدولة الوحدة. كانت تلك المحاولات، التي لم يكتب لها النجاح، مجرد وسيلة للانتهاء من الحصار ولاستكشاف ما إذا كانت هناك أي فرص للالتفاف عليه. في المقابل، كان هناك إصرار أميركي على خنق النظام الليبي بأي شكل. وفي إحدى المرات، سأل كاتب المقال مسؤولاً أميركياً كبيراً في واشنطن، وكان ذلك في العام 1995: «هل تعتقد أن ليبيا وحدها مسؤولة عن تفجير الطائرة المدنية فوق لوكربي ذي الطابع الارهابي؟» كان جواب المسؤول بكل وضوح: «ليس مهماً أن تكون ليبيا وراء تفجير طائرة «بانام» في الجو. كنا نريد وضع النظام الليبي في قفص وقد نجحنا في ذلك».
/>كان مطلوباً إخضاع ليبيا. لم يكن لأي محاولة جدية لفك الحصار أن تنجح. وعندما ذهب معارض ليبي مرموق للتعاون مع الاستخبارات الأميركية ليسأل المسؤول عن الملف الليبي في الخارجية الأميركية عن الانعكاسات المحتملة للوحدة المصرية- الليبية على العقوبات الدولية المفروضة على الجماهيرية، جاء جواب المسؤول في الخارجية حاسماً. قال للمعارض الليبي بالحرف الواحد: «إن ليبيا دولة نفطية. هذا موضوع يهم الولايات المتحدة وليس أي دولة أخرى أكانت عربية أو غير عربية».
/> ما يتبين اليوم أن ليس النفط وحده الذي يهم الأميركيين. ما يهمهم أيضاً الموقع الاستراتيجي لليبيا. كل ما يمكن قوله اليوم ان ليبيا استطاعت أخيراً استعادة مكانتها في إطار المجتمع الدولي بمجرد أنها اتبعت سياسة عقلانية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الإقليمية والدولية بعيداً عن الأوهام، أوهام أسلحة الدمار الشامل، وعن الشعارات الطنانة التي تبين أنها لا تأخذ إلى أي مكان باستثناء البؤس. لا شك أن ليبيا استفادت من كونها دولة نفطية. ولكن مما لا شك فيه في الوقت ذاته أنه كان هناك إدراك لأهمية تجاوز الماضي بسلبياته وإيجابياته، والتعاطي مع مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة عبر التسلح بالواقعية واستيعاب حقيقة موازين القوى الاقليمية والدولية والقدرات المحدودة لدولة صغيرة، حتى لو كانت مساحتها كبيرة، غير قادرة على أن تكون على تماس مع كل ما هو حضاري في العالم.
/>ارتكبت الجماهيرية في الماضي أخطاء كبيرة، بما في ذلك دعم الجيش الجمهوري الإيرلندي بالمال والسلاح. كذلك لم تستطع يوماً تقديم حجج مقنعة في شأن اختفاء الإمام موسى الصدر رئيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان» ورفيقيه خلال زيارة لطرابلس في العام 1978. كذلك ساعدت منظمات فلسطينية وميليشيات لبنانية وغير لبنانية لم تكن في الواقع سوى تابع لأجهزة أمنية عربية تعتبر فلسطين آخر هم من همومها. لكنها ساعدت أيضاً حركات تحرر في أنحاء مختلفة من العالم خصوصاً في أفريقيا. وهذا أمر لم ينسه الزعيم الأفريقي نلسون مانديلا الذي عمل كل ما يستطيع عندما كان رئيساً لجنوب أفريقيا من أجل فك الحصار عن ليبيا.
/>تأتي زيارة رايس لليبيا، وهي الأولى لوزير للخارجية الأميركية للبلد منذ خمسة وخمسين عاماً، لتؤكد طي صفحة الماضي. المهم أن ليبيا تصالحت مع نفسها وتصالحت مع المجتمع الدولي. هذه المصالحة لا يمكن أن تكون ذات مغزى، مثلما أن لا معنى لزيارة رايس، في حال لم تستمر الإصلاحات التي بدأت بقرار سياسي شجاع اتخذه القذافي في العام 2003. يقضي القرار بالتخلي عن برامج انتاج أسلحة الدمار الشامل من أي نوع كان.
/> ليس كافياً الاتكال على الثروة النفطية وعلى الموقع الاستراتيجي للجماهيرية كي تتكون قناعة لدى العقيد القذافي بأن العالم في حاجة دائمة إلى ليبيا. المسألة مسألة مصالح متبادلة وتوازن في العلاقات، لا تضمنه في المدى الطويل سوى الإصلاحات الداخلية في اتجاه نظام أكثر ديموقراطية وإنسانية يكون في مستوى طموحات الشعب الليبي الذي عانى الكثير حتى الآن. من حق الشعب الليبي الاستفادة من نعمة النفط ومن النعم الأخرى التي يمكن أن توفرها دولة القانون والمؤسسات والبرامج التربوية الحديثة التي يبحث عنها الليبيون منذ أربعين عاماً.
/>خيرالله خيرالله
/>كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
/>