يُعتبرُ تقديم رعاية أفضل وأكثر كفاءة لعدد السكان المتزايد لقاء جزءٍ صغير من التكلفة الأصليّة، أمرًا واقعيًا وفي متناولنا على حد سواء. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى تصريحا متناقضا في عالم يشهد عدد سكّانه ارتفاعا سريعا، بحيث سيبلغ 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، علما أنّه من المتوقّع أن يتخطّى عدد كبير من هؤلاء السكان سنّ الثّمانين.غير أنّ تقديم الرعاية الصحية المُحسّنة بطريقة مستدامة يعتمد على اتخاذ قرارات أكثر ذكاء، وليس أكثر تكلفة. ومن خلال جمع كافة البيانات المتاحة حول الصحة العامة بطريقة متناسقة وتحليلها، سنتّخذ خطوة إيجابية نحو تقديم رعاية صحيّة أكثر ذكاء واستدامة بالفعل. إنّ الحاجة شديدة الوضوح. فقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن الدول المصدّرة للنفط قد تحتاج إلى الحد من الميزانيات المخصّصة للرعاية الصحية الوطنية كنتيجة مباشرة لانخفاض أسعار النفط. ويُثير هذا التقييم القلق في منطقة تُكافح عددًا من الأمراض المرتبطة بأسلوب الحياة.إلاّ أنّ تصريحات مسؤول في هيئة الصحّة في دبي قد أعطت بصيص أمل في هذا المجال. فبحسب تقديراته، من أصل 80 مليار دولار تنفقها الحكومات سنويا على الرعاية الصحية في العالم العربي، يتمّ تبديد النصف بسبب عدم الكفاءة المنتشرة على نطاق واسع.وهذا يعني أنّ الأساليب الأذكى والأكثر كفاءة يمكن أن تخفف من وطأة ضغوط الميزانية المخصّصة للرعاية الصحية على دول الخليج، وأن تحسّن إلى حد كبير فرص الوصول إلى الرعاية ونوعيتها في كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة بالنسبة للمرضى.لذا، فإن السؤال المطروح الآن هو كيف يمكننا أن نجعل الصحة الوطنية أكثر ذكاءً؟ يكمن الجواب في البيانات.بحلول عام 2020، من المتوقع أن تتراكم 25.000 بيتابايت من البيانات المتعلقة بالرعاية الصحية على الصعيد العالمي، أي ما يعادل 50 ضعف حجمها اليوم. سيختلف نوع البيانات وجودتها، إنّما ستجمع في نهاية المطاف بين السجلات الصحية الإلكترونية، والصور الطبية، والبيانات الجينية وبيانات تقنية القياس عن بعد.وستشمل البيانات العامة غير المنظمة التي تمّ جمعها من القنوات الاجتماعية، وقواعد البيانات الطبية، ووكالات الأنباء. هذا وتضفي نماذج الدفع الجديدة وطرق تقديم الرعاية الصحية تعقيداتها الخاصة. لا أهميّة تُذكر لهذه البيانات إذا تمّت دراستها بمعزل عن غيرها. إنّما تشبيك الأرقام وتحليلها، سيفتح أبواب عالم من الاتجاهات والأنماط الجديدة التي يمكن أن تبلغ حدودا جديدة تماما في ما يختصّ بصنع القرار في مجال الرعاية الصحية.سبق وبدأ العمل بها في بلدان مثل المملكة المتحدة، حيث يستخدم برنامج «care.data» البيانات الضخمة لمساعدة السلطات على فهم الأمراض بشكل أفضل وتطوير العقاقير والعلاجات المناسبة ومراقبة فعاليتها. كما تقدم رؤية مستقبليّة دقيقة حول أنماط الصحة العامة وتدعم خدمات تنظيم الأمراض. إن الامكانيات التي تقدّمها البيانات الضخمة لا تُعدّ ولا تحصى.باستثناء الاستثمارات الرأسمالية الضخمة، فالجوانب السلبية لدمج البيانات الضخمة تكاد لا تذكر. إنّ التوفير في التكاليف على المدى الطويل بفضل القدرات التنبؤية سيؤدي بدوره إلى تخفيض استثمار رأس المال. الفوائد المكتسبة شديدة الوضوح.إنّ إعداد النماذج التنبؤية في إدارة الأمراض سيمنح السلطات الصحية تحكما أكبر بتوفير الرعاية على المستويين الفردي والمجتمعي. سيخفّض معدلات إعادة الدخول إلى المستشفى ويحسّن التكاليف الصيدلية.من خلال إمكانيّة النفاذ إلى السجلات الصحية الخاصّة بالمرضى، سينجح النظام الأكثر تنبّؤاً بتحديد علامات التحذير الحرجة في وقت مبكر، مما يحدّ من الحاجة إلى العمليات الجراحية المكلفة التي غالباً ما تكون حرجة في مرحلة لاحقة. ويمكن إنجاز كلّ ذلك بتكاليف مخفّضة لأننا نتنبّأ عوضا عن الاستجابة. أحد التحديات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو عدم تقدير أهمية البيانات التي يتمّ تتبعها وتسجيلها بدقّة، من قبل الأشخاص المكلفين بجمعها. ترتبط جودة تحليلات البيانات الضخمة بجودة المعلومات التي تعمل على تحليلها، كما أنّه من الصعب إيجاد طرق مبسطة لضمان دقّة مجموعات البيانات وقابليّة مقارنتها، إلّا أنّه يمكن تخطّي هذه الصعوبة.* مستشار أوّل في «بوز ألن هاميلتون» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
اقتصاد
كيف يمكن تحسين الرعاية الصحية وتخفيض تكلفتها؟
05:32 ص