من أخطر «مساوئ» التيارات الدينية في الكويت، ترسيخ الانتماء الاقليمي على حساب الولاء الوطني. فمجتمعنا اليوم يعاني من الغلو في مشاعره تجاه قوى اقليمية ورموزها في مقابل استياء شديد من أحوال الكويت.وأصبحنا نعرِف الحق عبر مواقف المحاور الإقليمية، ونعتبر كل تحركات المحاور المقابلة، باطلة. فتجد اليوم حليفي الامس من التيارات الدينية يشككان في ولاءات بعضهما البعض، وكل منهما يحرض الحكومة والشارع على الآخر. ولا أبالغ عندما اقول بأن نسبة كبيرة من المواطنين يطالبون حكومتنا بتوجيه بوصلتها نحو عاصمة اقليمية واحدة، وإن اختلفوا في تحديدها.مجتمعنا يعاني اليوم من الاحتقان الطائفي بسبب الحرب بالوكالة المشتعلة في المنطقة بين القوى الاقليمية. ومن المؤكد أن درجة الاحتقان لدينا مرتبطة بتطورات هذا الصراع الإقليمي، لذلك من غير المستبعد أن يتحول الاحتقان الكويتي الى غليان إن ظهرت بوادر حرب مباشرة بين تلك المحاور الاقليمية. وحيث إنني أرى بأن مشاركة السعودية بقوات برية - ضمن قوات التحالف - لمحاربة تنظيم «الدولة الاسلامية» في سورية - من دون موافقة الحكومة السورية - ستتطور تلقائيا إلى حرب مباشرة بينها وبين إيران، لذلك كتبت مقالي حول «المستنقع السوري» للتحذير من الارتدادات الاقليمية والمحلية التي قد تتبع تلك المشاركة البرية. لعلي بذلك أشارك في جهود تفادي المزيد من الحروب وتباعا حماية السلم الاهلي.في الجزء الأول من المقال، استشهدت بحرب فيتنام لتأكيد حقيقتين مرتبطتين بمشاركة اميركا في القوات البرية المحتمل تشكيلها. الأولى، أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على هزيمة العدو، خصوصا إذا كان شديد المراس. وأوضحت ان مقاتلي «محور المقاومة»، أشداء خاضوا حروبا طويلة متتالية كالفيتناميين. والثانية أن الولايات المتحدة مرنة جدا في تعديل واستبدال خططها، فمن المتوقع أن تعكس موقفها متى ما زادت خسائرها أو ارتفعت مخاطر استمرارها على موقفها السابق.الى جانب الحرب الفيتنامية، هناك العديد من الشواهد على الحقيقة الثانية، ومن بينها أزمة السلاح الكيماوي في سورية. فبعد ما استكملت أميركا حشدها لتوجيه ضربات صاروخية ضد النظام السوري، اكتفت باتفاق لنزع السلاح الكيماوي السوري. وقد ربط المراقبون بين ذلك الانقلاب في الموقف الأميركي وبين التهديدات الايرانية بضربات انتقامية تطاول اسرائيل.باختصار، بسبب الدور اللوجستي السوري في «محور المقاومة»، فإن هذا المحور سيستبسل في حماية النظام السوري، ولذلك من الصعوبة بما كان اسقاطه من خلال عمل عسكري. وكذلك ليس من الحكمة الاعتماد على ديمومة الدعم العسكري الأميركي في تحقيق ذلك الهدف.أنا شخصيا ضد استخدام القوة العسكرية خارج منظومة الأمم المتحدة، لذلك أدعو الى اصلاحها لكي تتوافق مع المستجدات العالمية ولتلبي الحاجة الأممية في تنظيم محاربة الإرهاب بعد توحيد مفهوم الإرهاب وقائمته، وإلا فان العالم سيشهد حروبا يتهم كل طرف فيها الآخر بالارهاب، ولا يستبعد أن تتطور بعضها إلى حرب عالمية ثالثة تدمر الحضارة الانسانية إن لم تنه وجودها.نحن في الشرق الاوسط، الاكثر ضررا من عدم اكتمال هذا الدور الأممي في محاربة الارهاب. لذلك أناشد الحكومة الكويتية متابعة دورها المعهود في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء في المنطقة، وتبني مبادرة تنهي حروب الصراع الاقليمي، حيث إنها كلفت مجتمعاتنا الكثير وتهدد شعوبنا بالمزيد.لن تنسى الكويت الجهود الديبلوماسية التي بذلتها المملكة العربية السعودية، في تفادي الغزو العراقي على الكويت، ومن بين ابرزها الاجتماع الذي عقد في مدينة جدة بتاريخ 31 يوليو 1990 بين وفد كويتي برئاسة ولي العهد المغفور له الشيخ سعد العبد الله الصباح، ووفد عراقي برئاسة الرجل الثاني في النظام العراقي عزة الدوري. لذلك على الكويت اليوم أن تلعب ذات الدور للوساطة بين شقيقتها السعودية وصديقتها إيران، من أجل تحقيق سلام شامل ودائم.ومن يدري قد تكون تصريحات المشاركة بقوات برية في سورية ليست إلا مناورة سياسية تستهدف حلا للخلاف الاقليمي في سورية واليمن وغيرهما ضمن صفقة شاملة.الاوضاع خطيرة ولا تحتمل التقاعس، لذلك أناشد النواب تحمل مسؤولياتهم الدستورية تجاه الملفات الخارجية وبالأخص الإقليمية، فمن غير المعقول استمرار التصريحات النيابية حول تنازل المجلس عن صلاحياته ومسؤولياته في القضايا الخارجية. نتمنى أن تمتنعوا عن المواقف والتصريحات الاستفزازية، لكن في الوقت ذاته نطالبكم بالالتزام بدوركم الدستوري كاملا، وإلا فستفقد الديبلوماسية الكويتية مرونتها التي مكنتها من لعب دور متزن على الصعيدين الاقليمي والدولي... «اللهم أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه».abdnakhi@yahoo.com