فكرة رائعة حاصرها التسطيح وشابتها أخطاء التجربة الأولى. هذا فصل القول في عرض «الماثولي» الذي استهلت به فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية عروض المسابقة الدولية للدورة السادسة لمهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي. وقبل الحديث عن تفاصيل العرض الذي تم تقديمه مساء أمس الأول في إطار المهرجان، فإنه لابد من الإشارة الى أن مفهوم الدراما منذ القدم يأتي على أساس أنها محاكاة لفعل، ذلك الفعل هو ما يعطي للدراما وللعرض أحد عناصر الجذب التي تجعل الجمهور يتتبع الأحداث لأن الدراما سلسلة متشابكة من الأفعال وردود الأفعال، لكن هناك العديد من النصوص التي تجذب المخرجين خاصة في مراحلهم الأولى في الإخراج والتي تعتمد على الكلمة، اعتقاداً منهم أن الكلمة تحمل الرسالة لكنها في الحقيقة فخ منصوب لهم حينما يكون المؤلف عاجزاً عن تحقيق الرسالة بشكل فني من خلال الفعل الدرامي وتتالى الأحداث. ذلك الأمر يؤدي إلى لجوء الممثل إلى استحضار شخصيات من مخزونه الثقافي بسبب ضعف بناء الشخصية ونمطيتها وبالتالي يحدث الصراخ.هذا ما حدث في عرض «الماثولي» المأخوذ عن نص «بغض النظر» تأليف شريف الزعبي وإعداد وإخراج محمد جمال الشطي، ولا أعرف مدى تدخل المُعد في الأحداث لكن ما قدم جاء من خلال مقولات زاعقة مثل «حضارتنا تنهار»، و«أريد أن أكون» وغيرها من الجمل، وبات الحدث في شكل سردي ما أفقد العرض تدفقه نتيجة الأحداث البطيئة أو غير الموجودة أصلاً، ولذلك عمد المخرج إلى حلول فنية من خلال التشكيلات في الفراغ سعياً إلى جماليات الصورة المرئية، وساعده في ذلك تصميم أزياء وماكياج استقلال مال الله مع ديكور محمد جواد الشطي، إلا أن الديكور اعتمد على الغرائبية في التكوين، من حيث الاحساس في الخلفية وكأنها خريطة لوطن ما، لكن التصميم اعتمد على السيمترية التي تعطي احساس الركود والهدوء، كما اعتمد على أوان ترابية وغامقة الأمر الذي أوحى بالاحساس المخيف والغامض، وهو ما يتلاءم مع طبيعة الموضوع الذي بدأ بمجموعة الثعالب التي تهاجم البلد، ثم ظهور الماثولي الخرافي لينقذ البلد وحكامه، لكن في النهاية نكتشف أنها خدعة وأنه معاون للثعالب من أجل اغتصاب الوطن والأرض، غير أن الملابس جاءت من نفس الدرجات اللونية، بل لم يكن هناك فروق واضحة بين ملابس المتصارعين سوى في المشهد الأخير الذي يتقاتل فيه الأشقاء ليسود الثعالب البلد. كذلك لجأ المخرج إلى إضاءة تقليدية صممها علي الفضلي معتمدا على اللونين الأصفر والأحمر بشكل كبير ليعطي إحساس الصراع والمأساة، وقد تميز في اللحظات الخاصة التي استخدم فيها مصادر إضاءة جانبية ساهمت في تغيير الإيقاع البصري للصور المرئية، وأعطت جماليات للعرض إضافة إلى تضخيمها للكائنات الغازية.كذلك جاءت الموسيقى من أهم عناصر العرض توظيفاً والتي قدمها عبد الرحمن صابر معتمداً على تحقيق حالة التوتر الدائم كمعادل للمفهوم الدرامي، واستخدم تنويعات إيقاعية وجملا موسيقية من خلال آلات نحاسية وعائلة الكمان خاصة التشيلو والكونترباص بأصواتهما الضحمة التي عوضت ضعف التدفق الدرامي، وذلك التنوع يبرز من خلال الاعتماد على الإيقاع السريع غالباً حتى لحظة ظهور الطفلة والتي أصبحت فيها الموسيقى ناعمة من الكمان، لتحقق حالة البراءة التي سرعان ما تتحول إلى الصخب بظهور الثعالب واختطاف رمز البراءة. ثم تحول الموسيقى إلى حالة من الدفوف التي تشير إلى إيقاع ديني يلائم الصورة المرئية التي سعى المخرج للتأكيد عليها كرمز من رموز الدروشة والتطرف معاً، وتبدو محاولات المخرج نحو استخدام الرمز اعتقاداً أنه يبعده عن المباشرة لكنه كان يقترب منها، خاصة في استخدامه المثلث الأحمر وهو تقطيع للنجمة الصهيونية التي يربطها بالثعالب باعتبار انهم الغزاة والمغتصبون، ورغم المباشرة إلا أنه تم استخدامها بأشكال متعددة مثل الايحاء بأنها الذقون وإن كان اللون الأحمر يشير إلى أنها أيضاً شخصيات شيطانية.لكن ما يؤخذ على المخرج رغبته في تقديم مقولات عديدة وإدانات متداخلة زاعقة، مما أحدث تشويشاً على رؤيته الواضحة لكن رغم ذلك فهو يمتلك مقومات المخرج الساعي لتقديم رؤية فكرية تحمل حساً وطنياً واستشرافاً للمستقبل والسعي نحو التحذير من الخطر الذى يحيق بالمجتمع العربي من أطراف خارجية ومساعدات داخلية بعضها عن دون قصد لكنها تحقق أهداف الآخر.أما التمثيل فقد ظلمته طبيعة العرض السردية التي جعلت الشخصيات نمطية ومسطحة، فلجأ الممثلون الأساسيون إلى الكثير من الصراخ واستخدام الطبقات الغليظة مثل جراح مال الله وبدر الحلاق وإبراهيم نيروز وحتى أريج العطار ونوف جواد وعبدالله المسلم، والهدف من ذلك كان التأكيد على حالة المعاناة من أصحاب الوطن أو حالة الشر من المغتصبين والماثولي الذي جعله المخرج وكأنه كائن خرافي لكنه في ذات الوقت بدا مشوهاً، وأعطى إحساساً بالعجز مما يفقد الشخصية رمزيتها باعتبارها الشيطان الأكبر والمتحكم في أقدار العالم.ورغم أن العرض به سلبيات العمل الأول من خلال الرغبة في تقديم كل شيء، إلا أن الحس الوطني لدى المخرج وقدرته على التحكم في المجاميع وتنويع ايقاعاتهم الحركية والتشكيلية وكذلك تحكمه في الايقاع العام للعرض الذي أنقذه من رتابة السرد، كل ذلك يؤكد على ولادة مخرج ستصقله التجارب الآتية لامتلاكه أدواته الفنية والفكرية بعد أن يكون قد تخلص من حالة الزخم الفكري والصوري التي تؤثر على عرضه من الناحيتين الفكرية والجمالية.* أستاذ النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية
فنون
افتتحت عروض مهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي
«الماثولي»... فكرة رائعة حاصرها التسطيح
مشهد من العرض (تصوير طارق عزالدين)
12:06 ص