| بقلم هشام الصباحي |
حاول الدكتور محمد العدوي أن يقدم لنا من داخل عالمه الطبي بعض الحالات /القصص، وقد نجح في تقديم الطفلة حياة التي تحمل القصة اسمها أيضا ص11، حالة إنسانية رائعة عن علاقة الطبيب بمريضة، خصوصا ان كان هذا المريض طفلة ولها أسئلة بكر وعبقرية عن الحياة والموت والفرح والحزن، وعلى الرغم من قصر القصة إلا إنها كانت شديدة الصفاء، وفي موضع آخر يتحدث عن الخادمة التي تقرر التبرع أو تحديدا بيع كليتها، حتى تواجه نفقات الحياة القاسية في انكسار غير طبيعي في اى مكان، إلا في بلد مثل مصر فهو عادي جدا أن تُباع وتُسرق الأجساد بسبب الفقر، وفي قصة ماريان نعيش معه أجواء رومانسية جدا وتنتهي بكوميديا رائعة، عندما يقوم الطبيب الذي مازال يتعلم بالتشخيص الخطأ والذي يصححه الدكتور المدرس، حيث يشخص الطبيب التلميذ الحالة تضخم في الطحال، ويرد عليه الطبيب الأستاذ بأن المريض استأصل الطحال من عامين، إنها كوميديا سوداء تكشف حالة العلم في مصر الآن إلى أين وصلت وبخاصة في الطب!
يمتلك القاص محمد العدوي قدرة جميلة على إظهار شخصيات العديد من أبطال قصصه، في شكل كوميدي يجعلنا نضحك ويتضح ذلك في قصة عوض افندى «ص 52»، الذي دخل مجلس الشعب مصادفة وكان هدفة الوحيد هو الحصول على اجازة من العمل، وعلى الرغم من دخوله مجلس الشعب، إلا انه يعانى من الاضطهاد نفسه والتوجس نفسه، من إذا كان الذي يتجنى عليه ويزاحمه في كرسي مجلس الشعب، وكرسي المواصلة العامة في سلك الشرطة أو ذا سلطة وواسطة!
كان للرومانسية حضور أيضا في هذه المجموعة، وتولد عنها صورا عالية الجودة، إن للمكان حضورا في عالم المجموعة القصصية، سواء كان هذا المكان في الريف أو المدينة مع معرفتنا... أن الخلاف طفيف في الفروق بينهما في مجتمع مثل المنصورة، ولقد حضرت بعض ملامح المنصورة في قصة صبح «ص 46».كما يقول القاص على لسان بطله في القصة نفسها عن رؤيته للأطفال «ص 49»... (لدي يقين أن من أراد أن يكره الأطفال فليرهم سيارات النقل العام)، إنها قناعات وخبرات يقدمها القاص لنا عن تغير شكل وأفعال الأشخاص، مع تغير المكان حتى لو كان داخل مرفق النقل العام، وقد حمل نشر هذه المجموعة القصصية في زمن لا يوجد فيه إلا الرواية، ولا تُعطى الجوائز إلا للرواية ولا تُباع إلا الرواية، ولا يقبل العديد من الناشرين إلا النظر في أمر نشر رواية، في حين أن الأنواع الأخرى مرفوضة دون حتى أن ينظر إليها دلالة على انفتاح دار الكتب للنشر والتوزيع على الإبداع عامة، دون تميز عنصري بين الأنواع وبعضها البعض.
خصوصا مع كل هذا القدر من القتامة، مازالت تواصل دار الكتب للنشر والتوزيع نشر هذا الصنف الادبى، الذي ليس له اسم رواية ولكن اسمه قصص قصيرة، ويزداد الأمر فداحة عندما يكون الكاتب من الأقاليم من مدينة المنصورة الجميلة قديما المزدحمة حاليا.
ونتمنى ألا تكون دار الكتب أكملت معادلة الخسارة المادية، حيث أولها كاتب من الأقاليم وثانيها نشر ماهو ليس رواية، ولابد أن نحترمهم ونشفق عليهم في آن واحد.
تظل حين «يضحك البحر»... مجموعة محمد العدوي التي نظن أنها الأولى والتي تعلن عن انتمائه لمهنته وإنسانيته جغرافيته المحدود والجميلة، والذي ننتظر منه المزيد في المستقبل ولكن مع ملاحظة التمهل في خلق النصوص حتى تأخذ نكهتها المتفردة.
* كاتب وشاعر مصري مقيم في مدينة شينزن الصينية
H.alsabahi@gmail.com