رحم الله شهداءنا الذين سقطوافي حادث مسجد الإمام الرضا - عليه السلام - في محافظة الأحساء بالمملكة العربية السعودية، وألبس المصابين ثوب الصحة والعافية، وألهم ذويهم ومحبيهم الصبر والسلوان... وأما السفاحون ومن أعانهم في ظلمهم فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.لم استغرب من استئناف العمليات الإرهابية في دول مجلس التعاون الخليجي، بل إنني أجزم بأنه لولا الجهود الأمنية المكثفة لكانت مجازر القتل على الهوية في مجتمعاتنا أضعاف ما لاقينا وعانينا منها، ولكن في الوقت ذاته، هذه الاختراقات الأمنية أكدت لنا بأن التصدي لجرائم قتل المدنيين يتطلب ما هو أشمل من الحل الأمني. لأن الإجراءات الأمنية لا تقينا من شرور إرهابيين يعتقدون بأنهم مجاهدون وقتلاهم شهداء، ولأن الكثير ممن يعيش بيننا يعتقد بأن ضحايا التفجيرات يستحقون القصاص الذي نفذ عليهم لأنهم موالون أو شركاء في جرائم طائفية ارتكبت في العراق وسورية على سبيل المثال.هناك علاقة سببية بين الفكر الإرهابي وبين جرائم القتل على الهوية، فتصريحات إعلان المسؤولية عن تفجير المساجد في الكويت والسعودية نصت صراحة على أن الضحايا استهدفوا بسبب هويتهم المذهبية. ولكن معظمنا لم يستوعب تلك العلاقة إلا بعدما توسع نطاق جرائمها الممنهجة ليشمل العراق، بل ومنا من لم يقر بتلك العلاقة إلا عندما نشطت تلك الجماعات في سورية أو دول الخليج العربية.منذ التحرير، ومجموعة من المثقفين يحذرون من مخاطر توغل هذا الفكر المتطرف في الكويت عبر روافد تشكيل الثقافة المجتمعية ومن بينها مدارس التعليم ودور العبادة وقنوات الإعلام، ولكن للأسف لم تكن آذان المواطنين ولا نوابهم صاغية لتلك الصيحات الوطنية، بل إن بعضهم تصدى لتلك الثلة الإصلاحية واتهمها بالطائفية، والغريب أن هذا البعض ورموزه لم يعتذروا حتى اليوم عن دورهم في تشويه وعرقلة مشروع المثقفين للتصدي المبكر لمخطط نشر ثقافة التفجير في المجتمع.للأسف ما زال هؤلاء الرموز غير قادرين على إصلاح واقعنا المرعب، فتجدهم يكتفون بالتنظير حول مسؤولية مشايخ متطرفين وقنوات فضائية تكفيرية في تأجيج الطائفية والقتل على الهوية. ولكنهم لا يملكون مشروعاً استراتيجياً برؤية واضحة للخروج من مسلسل استهداف الأبرياء المتزامن مع حلقات الصراع الإقليمي. فهم يغلقون أعينهم ويسدون آذانهم عما يُكتب ويُقال عن العلاقة بين التفجيرات في دول الخليج وبين تسابق ثلاث عواصم إقليمية لاسترجاع الخلافة الإسلامية تحت رايتها.من الواضح أن الحل والمخرج ليسا في إقامة دولة اسلامية - كما لقنتنا التيارات السياسية الإسلامية منذ صغرنا - بل هي محور الأزمة اليوم. ولا شك في أن الخلل ليس في الدين الإسلامي ولا في اختلاف فهمنا للإسلام، بل في افتقارنا لثقافة التعددية وممارساتها، ومن بينها تعزيز مفاهيم الدولة المدنية وترسيخ ثوابتها، وخصوصاً الالتزام بسيادة الدولة - وليس الأفراد ولا الجماعات - في تشريع القوانين وتطبيقها.الوضع خطير جداً ولا يحتمل التأخير والتسويف، لذلك أدعو الحكومة لإعداد وتنفيذ خطة متكاملة لترميم ثقافتنا المجتمعية تجاه الدولة المدنية وثوابتها. يجب أن نعلم أبناءنا بأنه ليس من حقهم ولا من حق أي جماعة أن تقيم الحد الشرعي على خائن لوطنه ولا أي مجرم شارك في قتل الأبرياء، وعليهم الالتزام بالمسارات القانونية في الدولة.وأما التيارات السياسية والنواب فأناشدهم بالخروج من دائرة التصريحات والعمل العشوائي إلى ساحة العمل المثمر بنتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع. مسؤولياتهم الدستورية تتضمن تحققهم من جدية الحكومة في مكافحة الإرهاب وصون النسيج الوطني وقياس مدى التزامها.والحكومة لن تتمكن من محو الإرهاب من دون تسليحها بتشريعات معاصرة لاجتثاث الإرهاب وتحقيق الألفة بين أطياف المجتمع. فنحن بحاجة مستعجلة لقانون يطال كل من يغرس الأفكار الإرهابية في عقول شبابنا ومن يزرع الكراهية الفئوية في نفوسهم ومن يحرضهم على الانتقام من أطياف من المجتمع. قانون يجرم تمويل القنوات الفضائية التي تشعل الفتن الطائفية، ويمنع إقامة ندوات تشكيك في ولاءات شرائح مجتمعية، قانون يعلمنا أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وأن العقوبة شخصية وأن الطائفة لا تحمل جريرة أخطاء أبنائها... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com