هنا نحن أمام تجربة فريدة في مسيرة الشعر الشعبي تستحق الوقوف والتأمل كثيراً، لا أبالغ إن قلت إننا أمام حالة شعرية خاصة ومتفردة يندر أو قد يستحيل تكرارها أو استنساخها.لم أكن متسرعاً حين شرعت في كتابة هذا المقال، بل أعطيت نفسي وقتاً في البحث والاطلاع والسؤال والملاحظة، حتى أيقنت تماماً أنني لا بد أن أكتب حول هذه التجربة التي تستحق الاقتداء والنمذجة.لست هنا في صدد الحديث عن الشعر الذي لا يختلف عليه اثنان في محمد جارالله السهلي، والذي طرق جل أغراض الشعر حتى أشبعها وأشبعنا شعراً، بل أريد الخوض في موضوع شخصية الشاعر، وكيفية تكوين الشخصية الشعرية والبناء الذاتي لهذه الشخصية، وعلاقة الشاعر بمجتمعه حين يكون قريباً من قضاياه وهمومه، وعلاقته بزملائه الشعراء في كيفية وضع مسافات إنسانية وفكرية مناسبة بينه وبين الآخرين.لم يكن السهلي محتاجاً لكثيرٍ من الضوء ليبرز حين كان الشعر نفسه هو ضوءه وهو طريق نجاحه، حيث روض الكلمة وطوع المفردة في قصيدته، ولامس جوانب القلوب وحاكى لب العقول، حتى ذاع صيت الشعر فيه، وأصبح أنموذجاً للشاعر الشاب الذي ثقف نفسه وجير هذه الثقافة لقصيدته، فحين يتغزل يخال للجميع أن السهلي يعنيه هو ويعرف تفاصيل تجربته العاطفية، وحين يمدح يتمنى الجميع لو كان هو الممدوح، وحين يرثي يقلب مواجعنا على عزيزٍ فقدناه، فقد استثمر الكلمة، وخمر الفكرة، وانقض على القصيدة ليشبعها «شعراً» حتى تخرج القصيدة وكأنها لوحة فنية رائعة.قلت لن أطيل في الحديث عن الشعر مع السهلي فهو علامة فارقة لا تحتاج كثير الإسهاب والتفصيل، بيد أن طريقة النضج الفكري والتثقيف الذاتي تجربة تستحق الوقوف طويلاً عند السهلي، فلم نلاحظ قفزات فكرية سريعة في مشوار محمد جارالله، بل على العكس تماماً رأينا نضجاً يتمدد وفكراً يتطور ومفردات تتجدد، وهذا كله إنما ينم عن عمل الشاعر على نفسه، واطلاعه على تجارب غيره من القدامى والمحدثين، لا سيما بيئة الشعر المحيط به، والتي كانت واضحة الملامح في مسيرته، فحين النشر كان مطلعاً ملماً مستوفياً لقواعد الشعر الجميل، وحين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي رأيناه قد استثمرها استثماراً موفقاً في طرح مواضيعه وقضاياه، فقد أعطى لنفسه مساحات كافية في نقل الصور الفنية الجميلة والمؤثرة، صوتاً وصورةً، مستخدماً المؤثرات التي تخدم الأبيات التي يطرحها، بالإضافة إلى ما كان مكتوباً منها عن طريق «تويتر» حاله حال بقية الشعراء، بيد أن تجربته كان فارقة في الظهور المنظم المقنن المعتمد على الكيف وليس الكم، فنظرة سريعة وجولة خاطفة في حسابته تبين لنا كيفية الاستغلال الإيجابي لهذه المواقع، فنجد أن هناك مسافة زمنية بين القصائد أو الأبيات المختلفة، هذه المسافة هي فترة التقاط الأنفاس «الفكرية» وإعادة الترتيب لمنتج أدبي آتٍ دون تسرع قد يقلل من قيمته، مما يجعلنا نلاحظ التطور اللغوي في المفردة وطريقة صياغتها وإعمالها داخل البيت الشعري، وهو أمر غاية في الأهمية لا يجيده سوى المتفردون كأمثال السهلي.أمر آخر قد لا يكون غريباً في شخصية السهلي التي أعرفها منذ زمن، ولكنه يبدو مستغرباً في شخصية الشعراء تاريخياً في المنافسة و«الغيرة» الشعرية أحياناً، والتي أذابها محمد جارالله في تعامله مع زملائه الشعراء بالصدق النادر بعيداً عن الشعر، والمشورة الوافية قريباً من الشعر، فالمتابع له لا يكاد يلمح شيئاً من الجفاء بينه وبين زملائه الشعراء، بل على العكس تماماً تجد الرحابة في الردود والنقاش الفكري السليم بعيداً عن الشخصنة، ما جعل كثيراً من الشعراء يبادلونه الشعر، ويحاولون جاهدين مجاراته حتى تطور مستوى الكثير منهم لا سيما المبتدئين منهم، حيث لم يبخل على زملائه يوماً في المشورة والنقاش، هذا الأمر قد يغيب في كثيرٍ من الشعراء الذين أغلقوا أبوابهم أمام زملائهم حتى تم نسيناهم تماماً.إذاً،، لماذا محمد جارالله السهلي ؟عطفاً على ما تقدم نحن نحتاج نماذج كثيرة كنموذج السهلي، نموذج الشاعر الشاب المثقف القادر على إخضاع الشعر وتجييره لما يريد، نريد شاعراً متطوراً يتدرج في سلم الشعر رويداً رويداً ليخرج لنا بإنتاجٍ أدبي فخم يستحق أن يُقال له شعراً، حين ضجت ساحتنا الشعبية بكثيرٍ من المستشعرين الذين أقلقوا مسامعنا بنعيقهم، حتى بات جمهور الشعر أكثر من شعرائه، وبات الشعر آخر ما يود المرء سماعه بعد أن هو الأول، نريد تجارب شبابية مثيلة لتجربة السهلي المثمرة، حين يكون الشعر طاقةً إيجابية وسلوكاً بشرياً جميلاً نشعر به ونتفاعل مع أبياته ونتغنى بمفرداته ونتمايل طرباً لأوزانه، نريد شاعراً يمتلك كاريزما تعيدنا لزمن الشعر الجميل، هذه الكاريزما الشعرية التي أحببناها في الشعراء منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا، هنا النموذج الشعري جاهز،، لا نقول للتقليد ولكن لتتبع أصول النجاح والسير على نهجه... شكراً محمد جارالله السهلي.إضاءة:‏ليتني أقدر أعرف وشهي أحواله ؟‏ولاّ عن حالتي عقبه درى.. ليته‏وليتني.. كل ما مريت في باله:‏أدري إني على باله.. ومريته !!Twitter: bdrthwini