| بيروت - من هلا داغر |
يحمل الابن - في بعض الاحوال - الكثير من سمات الاب، وبخاصة في المجالات الابداعية، سواء في الادب او الفن او حتى الرياضة، كما ان الابن من الممكن ان يكتسب بعض صفات الاب، من خلال حب وظيفة محددة، او الاندماج في هواية بعينها، وبهذه الطريقة ينطبق على المثل الذي يقول «ابن الوز عواد».
وقد يستمر الابن في تتبع خطوات والده في الحياة، من خلال المضي قدما في طريقه الذي قضى فيه الوالد سنوات، والالتقاء معه في سرية ذاتية ربما تتوافق في الكثير من اشكالها.
وفي حلقات «الابن سر ابيه» سنتوقف عند سير ابناء تتبعوا خطوات الآباء، فأبدعوا سواء في الفن او الأدب او الرياضة او الصحافة، من اجل الوقوف عند جوانب الابداع عند الاب والابن معاً.


انها العائلة «النحلية» في لبنان. الفنان وجيه نحلة وأولاده يؤلفون عائلة كاملة من الفنانين. أولاد خمسة ولدوا في بيت رسام حقق شهرة كبيرة في لبنان والعالم العربي والغربي. واذا قيل ان الفن هو في الدم، فان وجيه نحلة يقول «ن الفن هو في العائلة»، لانه لم يؤد يوماً دوراً في توجيههم نحو الفن، بل ان أجواء البيت والمرسم كان لها الأثر الأول، فتشكلت شخصياتهم الفنية وأساليبهم بشكل مستقل عنه.
بين الألوان وروائحها وبين أدوات الرسم نشأوا من دون ان يعلّمهم الأب فن الرسم بشكل مباشر. كانوا يراقبونه، وكان هو يراقب نموهم الفني وأساليبهم التي تطورت براعمها لتتفتح خطوطاً وصوراً ولوحات... تفرّق العائلة بسبب ظروف الحرب في لبنان لم يمنع من تجمع أفرادها في معارض جماعية عدة في زوريخ ودبي ولبنان. انه الفن الذي يجمع بطبيعة الحال. فكيف اذا كان وجيه نحلة هو الأب رأس هذه العائلة الفنية.
بالولادة كانوا وفق الترتيب التالي: جينا ووحيد ولينا وجومانا ومروان. البنات هن حالياً في لبنان، أما الشابان فخارجه. تسنى لنا مقابلة جينا ولينا وجومانا، وبالطبع الوالد وجيه نحلة رأس هذه العائلة. فروت كل واحدة منهن تجربتها وأثر الوالد فيها.
رأس «النحليين»
الفنان وجيه نحلة يقول ان أولاده الخمسة هاجروا وتركوا لبنان بسبب الأحداث الأليمة. درسوا وتخصصوا في الخارج لكن كان لاجواء البيت والمرسم أثر في تكوين شخصيتهم الفنية. بين درس الفلسفة في السوربون ودرس اللغة الألمانية في المانيا والاخراج والتمثيل في أميركا.. عادوا الى الفن قبل اتمام دراساتهم الجامعية.
«لا أستطيع القول ان الفن هو في الدم. فهذا أمر طبي لا أفهمه، ولكن أشعر ان هذا الفن هو في العائلة. لدي أخ وأخت وابنة عم فنانون واليوم ثمة جيل جديد من النحليين فضلاً عن أولادي».
لم يكن لوجيه نحلة أي دور في توجيه أولاده نحو الفن. «أجواء البيت هي التي لعبت دوراً. في السبعينات بدأ يتشكل وعيهم الفني. في بدايات هذا العقد تركت لبنان ومارست نشاطي في دول الخليج لا سيما في الكويت حيث أقمت أول معرض لي هناك في متحف دسمان، وأسست المرسم الحر للفنانين الكويتيين، ومازلت الى اليوم على صلة صداقة مع الدكتور ابراهيم العسكري ومع أعضاء في المجلس الوطني للثقافة والفنون».
عن خط كل فرد من عائلته يقول وجيه نحلة ان أعمال جينا لا تناسب المجتمعات العربية الاسلامية لانها في جزء كبير منها تتناول العري، «الا انها اليوم غيرت من توجهها الى حد ما فبدأت أعمالها تلقى اقبالاً أكثر». أما لينا فخطها يختلف كما يقول. «التصوير الفوتوغرافي التأليفي الذي ليس من خطي على الاطلاق لكنه عمل فني بامتياز». وجومانا، على ما يقول، خاضت تجارب فنية متعددة. لم تترك ميداناً الا ودرسته وعملت فيه. من تصميم المجوهرات الى فن السجاد، الى الرسم، الى ان استقرت على أسلوب خاص في الرسم. باختصار، بعدهن عني في بلدان أخرى جعل لكل واحدة منهن خطاً مستقلاً ومختلفاً عن الآخر وعني. لكن في النهاية جميعهن فنانات».
«أولادك وأعمالك، هل يمكن القول ان أعمالك هي أولادك»؟ يجيب: «لدي خمسة أولاد بيولوجيين من لحمي ودمي، ولدي خمسة آلاف ولد غيرهم أي خمسة ألاف عمل أو لوحة. ما زلت متعلقاً بالكثير منها، أحاول شراءها من جديد لتؤلف متحفاً لي سأبنيه في المستقبل. الكل يقول لي لا شيء يمنعك من بناء متحف، ولكن الامر يحتاج الى مجلس ادارة ولجنة خاصة تتولى القيام بالاتصالات الدولية بهدف استقطاب مجلس أمناء من أصدقائي الموجودين في العالم لاستقطاب بعض الأعمال من غير اللبنانيين الى جانب أعمالي».
الوالد حكى وتكلم عن أولاده «أفراخ البط» كما يقال، فما رأي البنات الفنانات مع الاشارة الى ان الابنين غير موجودين في لبنان للوقوف عند رأيهما.
الرسم من طبيعة الانسان
جينا نحلة تقول ان الفن موجود في طبيعة الشخص. «كان من حظنا اننا ولدنا في بيت فنان. منذ وعينا على الدنيا عشنا أجواء الوالد وهو يرسم وشيئاً فشيئاً خطونا طريقنا في الفن. لاشعورياً سلكنا هذا الدرب خصوصاً اننا عشنا بين الألوان وأدوات الرسم».
تضيف «في صغرنا كأي أطفال كنا في المدرسة نخرطش ونلون ولكن في البيت حين كنا نرى الوالد يرسم كنا نفعل مثله ونراقبه. ولكن في ما بعد، حين صرنا في الصفوف الثانوية، ومن ثم في الجامعة، كنا نجلس في محترف الوالد وكان لكل منا تجربته الخاصة في الفن. وكان هو يراقبنا من دون ان يعلّمنا هو الرسم بشكل مباشر. لا شعورياً حين يولد الواحد بين الألوان ويتنشق روائحها باستمرار لا بد ان يتأثر».
تخبرنا جينا انها درست في الجامعة الفنون الجميلة وبدأ يتبلور خطها الخاص في الفن أو أفكارها الأساسية، بعدها سافرت الى ألمانيا حيث بدأت تطور فنها خصوصاً انها عاشت هناك حوالي 20 سنة.«ولاني كنت من الشرق في مجتمع غربي حمل خطي الفني روح الشرق ولونه الدافئ وامتزج بالأسلوب الغربي وركزت على موضوع المرأة لاني أعتبرها الأم والأخت خصوصاً انها انسان متطور منذ التاريخ القديم. بعد ذلك تعرّفت الى سيدة شاهدت أعمالي واقترحت ان انفذه على الزجاج، فدخلت هذه التجربة لاني اقتنعت بان في استطاعة الفنان ان يطور عمله في مواد عدة. عليه البحث عن عوالم عدة تستجيب المادة فيها لتفكيره. من هنا تنوعت أعمالي بين الزجاج والرسم والخشب. حتى الفكرة الواحدة أحاول ان أحققها بمواد عدة».
في العام 1995 اجتمعت العائلة في معرض فني جماعي في بيروت اذ كان أفرادها منتشرين في فرنسا والمانيا والولايات المتحدة، «الا ان المعرض الكبير الذي جمعنا كان في زوريخ في غاليري معروف»، على ما تقول جينا: «الجمهور الأوروبي كان للمرة الأولى يلتقي عائلة كاملة من الفنانين، فشكلنا ظاهرة. كان المعرض ناجحاً جداً خصوصاً انه كان شاملاً لان لكل واحد منا أسلوبه ومواده التي يعمل عليها. الحدث الفني العائلي الثاني كان حين اجتمعنا في دبي عام 2002 لنشارك في مهرجان «عالم واحد، عائلة واحدة» لنرسم معاً لوحة واحدة بلغ عرضها 12 متراً، كانت حصة الوالد منها ستة أمتار في وسطها، فيما نحن كنا محيطين به برسمنا. حدث الرسم مباشرة خلال المهرجان أمام الناس ولم تكن اللوحة منجزة سلفاً. أتمنى ان يكون هذا العمل معروضاً أمام الجمهور الذي يزور دبي». وتختم جينا بالقول «الوالد هو رأس هذه العائلة الفنية وسيظل كذلك».
رسامة بالعين لا بالريشة
لينا نحلة هي في الموقع الوسط بين اخوتها واخواتها. ولدت في عائلة فنية، حتى الوالدة فيها نحاتة.
صحيح ان الوالد هو الأساس، الا انها تقول انها تأثرت بشقيقها وحيد. تروي انه كان يملك آلة تصوير وكانت تراه يصور باستمرار فحملت هي آلة تصويرها وحاولت ممارسة التصوير. «كانت ربما الشرارة الأولى». ثم سافرت الى فرنسا لدرس الأدب الالماني، «ثم استفاقت الشرارة مرة أخرى فاشتريت كاميرا وأعددت مختبراً للتصوير واستديو وبدأت التصوير بالأسود والأبيض. ولكن بسرعة طورت عملي وخرجت عن التصوير الفوتوغرافي الكلاسيكي العادي، فصرت أعمل على تأليف الصورة من خلال صور متعددة، وبدأت هذه الموهبة تتطور وسط تشجيع أصدقائي. وفي باريس دخلت جامعة السوربون فأكملت دراسة الفلسفة ثم درست تاريخ الفن. وبدأت برحلة الاحتراف فشاركت في معارض. وصرت أشارك سنوياً في معرض الخريف في باريس منذ 15 سنة».
خطها الفني ليس الرسم في حد ذاته بل ينتمي الى الصورة المركبة. «انا رسّامة بالعين ولا أرسم بيدي وبالريشة بل أؤلف صوراً. أتناول التفاصيل التي لا تراها عين المصور العادي».
وعن رأي والدها في أعمالها تقول «الوالد يحب عملي كثيراً، ويبدي رأيه به باستمرار. صحيح ان تأثيره على عملي لم يكن طاغياً على الاطلاق لان عملي هو التصوير الفني وليس الرسم، ولاني عشت في فرنسا بعيدة عن أهلي مدة 25 سنة فلم يكن الاتصال مباشر بيني وبين الوالد على الصعيد الفني الا اني كنت ألقى تشجيعه باستمرار».
الرسم الروحاني
جومانا نحلة الرابعة في افراد العائلة «النحلية» بدأت الرسم وهي في الخامسة من عمرها. تروي ان الرسام اللبناني المعروف عارف الريس كان في زيارة للعائلة وكانت هي قد رسمت على علبة جبنة خشبية بالأسود والأبيض رسومات شرقية فأحبها جداً. كانت ربما هذه البداية، ثم استمررت في الرسم. في الثامنة عشرة من عمري حدث معي جمود في الفن. قررت ألا أمارس الفن لكن رغم ذلك دخلت الجامعة لدراسة الفنون الجميلة لمدة سنتين ثم اندلعت الحرب في لبنان فغادرت الى باريس حيث درست فن المجوهرات مدة سبع سنوات، ومن ضمنها الرسم والنحت والمجوهرات. هذه الدراسة غيرت في أسلوب رسمي وعملي اذ امتلكت الأبعاد والتقنية التي دمجتها بالرسم. بعدها درست الموزاييك وفن السجاد. منذ 13 عاماً تغير عملي بشكل جذري اذ اتجهت الى الرسم الرمزي والروحاني لان الهم الانساني استحوذ على تفكيري وما زال. من ينظر الى لوحتي لا بد ان يستشف الرسالة التي أريد ان أصل اليها. أعمل على روحية الرسم وليس الرسم بحد ذاته. عملي ينبع من داخلي. انه تجريدي تصويري. أرسم العديد من الأشخاص لان الانسان بالنسبة لي مهم جداً خصوصاً في مراحل حياته. حين أرسم أوصل رسالة لا بد ان يشعر بها كل انسان لاني أسعى دائماً الى ان ينعكس السلام في لوحتي، وينعكس الانسان المتعالي عن الصغائر فيها».
وفي الحديث عن اللوحة العائلية الجماعية في دبي تقول ان كل واحد منهم وضع أسلوبه الخاص فيها. «كل واحد منا رسم على أطرافها لكي يلحق بالآخر. الوالد كان محورها لانه يحمل أربعين سنة من الرسم. الجمهور الذي شاهدنا مباشرة ونحن نرسمها كان ينتظر النتيجة النهائية. كنت أرسم بجهد لان الناس كانوا ينتظرون من كل واحد منا شيئاً ولم يكن بامكاني التراجع. وكنت متفاجئة بعملي. تطلب الأمر مني جرأة لانها كانت المرة الأولى التي نجتمع فيها كعائلة في لوحة جماعية واحدة. كانت تجربة جميلة ومميزة لاسيما اننا لا نجتمع معاً إلا نادراً.
تختم جومانا بالقول «كل واحد منا شق طريقه الفني وجعل لنفسه خطاً مستقلاً. لكن أثر الوالد موجود باستمرار».