قد يعرفه القراء ناقداًَ وكاتباً صحافياً، في عدد من الصحف المحلية في لبنان، هو شاعر من جيل التسعينات، حينما صدر ديوانه الأول «برتقالة مقشرة من الداخل» ليعود ويصدر في العام 2004 ديوانه الثاني «العين الأخيرة»، وهو نص طويل، فيه الكثير من العاطفة والإحساس المستمر بالتصاعد حتى الكلمات الأخيرة منه. في ديوانه الأخير «أرض معزولة بالنوم» فاجأنا ناظم السيد، بنص شعري مفكك في الشكل، مترابط في المضمون، ليقدم نموذجاً جديداً مختلفاً عما كان يكتبه في البداية. عن ديوانه الأخير والنقلة النوعية من حيث البنية واللغة، كان هذا الحوار:
/> |بيروت ـ من محمد دياب |
/>قد يعرفه القراء ناقداًَ وكاتباً صحافياً، في عدد من الصحف المحلية في لبنان، هو شاعر من جيل التسعينات، حينما صدر ديوانه الأول «برتقالة مقشرة من الداخل» ليعود ويصدر في العام 2004 ديوانه الثاني «العين الأخيرة»، وهو نص طويل، فيه الكثير من العاطفة والإحساس المستمر بالتصاعد حتى الكلمات الأخيرة منه. في ديوانه الأخير «أرض معزولة بالنوم» فاجأنا ناظم السيد، بنص شعري مفكك في الشكل، مترابط في المضمون، ليقدم نموذجاً جديداً مختلفاً عما كان يكتبه في البداية. عن ديوانه الأخير والنقلة النوعية من حيث البنية واللغة، كان هذا الحوار:
/>* أصدرت ثلاثة دواوين شعرية، كل منها تختلف بنيته عن الآخر، فهل سعيت إلى هذا الإختلاف؟
/>ـ بتقديري أنه في كتابي الأول «برتقالة مقشرة من الداخل» لم يكن هذا التعمد موجوداً. كنت لا أزال أدخل إلى قصيدة النثر حديثاً، وكتبت الشكل الذي يتلاءم مع مفهومي لهذه القصيدة، ومع وعيي ومع دفقاتي الشعورية، إذا صح التعبير. في كتابي الثاني «العين الأخيرة» كان ثمة مزيج من التعمد والتلقائية، والكتاب كله كان عبارة عن نص واحد ذي بنية حكائية قائمة على السرد. قبل كتابتي هذا الكتاب كنت أكتب رواية، وفجأة انقلب مزاجي من مزاج روائي إلى مزاج شعري، من مزاج تأملي إذا صح التعبير، مزاج تؤلف فيه وتخترع شخصيات، إلى مزاج متوتر وحاد، بسبب أزمة عاطفية كنت أمر بها. عندما توقفت عن كتابة الرواية وبدأت أكتب «العين الأخيرة»، ووجدت نفسي أني أخذت البنية السردية للرواية التي كنت أكتبها بكل تلقائية. وعندما وجدت أني قادر على الكتابة بهذه البنية، قررت أن أكتب نصاً طويلاً فيه هذه البنية الحكائية، كما يتضمن النثر، أي تكون فيه سيولة في النثر، وفيه جمل عادية، جمل غير مدهشة . جمل بسيطة جداً وظيفتها أن تصنع بنية، لأن البنية في الشعر جداً صعبة، ولا يمكن أن تصنعها دائماً بانقطاعات بين هذه الجمل، أو أن تصنع بنية من خلال الحذف الكثير أو المحو الكثير أو البياض في النص، فقررت أن أصنع بنية «قائمة على المفهوم الكلاسيكي للقصيدة» أو التي تسمى الوحدة العضوية في القصيدة، والتي تقوم على أساس أن تبدأ بجملة وتبقى محافظاً على «النفس» اياه حتى نهاية النص. هذا ما فعلته في «العين الأخيرة»: بنية تراكمية بمعنى موضوع واحد هو موضوع الحب، يدخل فيها موضوع العائلة. لأن العائلة شكل من أشكال الحب. هذه البنية أصبحت أراكم فوقها حتى تشكل النص الطويل.
/>في «أرض معزولة بالنوم» وهو كتابي الثالث، قلت أني سأعمل نصا طويلاً، إنما ببنية مختلفة. ببنية مفككة، كانت ثمة مسافة بين جملة وأخرى، تقريباً كل جملة أو اثنتين أو ثلاث جمل أوكل مقطع هو موضوع مستقل .وما يجمع بين هذه الموضوعات المشتتة هي اللغة، والنغمة الداخلية، وأدوات الوصل مثل الواو التي تتكرر دائما وتقريباً تكررت عشرات المرات في هذا النص، ووظيفتها الربط فقط. أحيانا أنتقل من موضوع إلى موضوع ويكون الرابط بينهما هو الواو فقط . تكتشف أن الواو ليست مجرد أداة عطف بمعنى عطف جملة على جملة، بل كذلك بمعنى عطف من العاطفة ، تستطيع أن تساعدك في القصيدة.
/>هذه البنية المخلخلة عندما كتبتها كنت أفكر بكيفية تجاوز النص الذي سبقه، نص العين الأخيرة. هذا من حيث الشكل. ومن حيث المعنى، هذه البنية المخلخلة التي كتبتها هي جزء من خلخلة الوعي لدي، لأني ابن ذاكرة مشتتة، عشت الكثير من الهجرات خلال الحرب، واختبرت الكثير من الخيبات في العلاقات العاطفية، وبالتالي انعكست هذه الخلخلة في الوعي عندي على النص. كما أني ابن وعي عام مخلخل، انا ابن جيل هزائم وانتكاسات، وأنا أعيش في زمن عربي مخلخل، يعني نحن اليوم نعيش في زمن فيه السلفية إلى جانب الحداثة، والعلمانية إلى جانب التدين، والأمية إلى جانب شخص يأخذ جائزة نوبل كنجيب محفوظ، إضافة إلى الأمية نجد الجهل إلى جانب الثقافة، وما بعد الحداثة إلى جانب التخلف الاجتماعي. فأنا أعيش في زمن مخلخل وبرأيي أن على الشاعر أن يكتب زمنه بطريقة غير مباشرة أي يمكنك أن تكتب زمنك من خلال بنية النص الذي تكتبه ليس من خلال المضمون بشكل مباشر وإنما من خلال البنية.
/>* ألم تخش عدم تقبل هذه الفكرة من قبل القراء والنقاد؟
/>ـ طبيعي، فالخوف جزء من عملية الكتابة نفسها. من يقول أنه لا يخاف أو أنه يكتب إلى زمن مقبل أو للنخبة، أتصور أنه شخص يوهم نفسه قبل أن يوهم الآخرين. طبعاً الخوف موجود ولكن لم يشكل هذا الخوف هاجساً بالنسبة لي.
/>كان عندي ايمان أن باستطاعتي كتابة نص، أكون قادراً فيه على التواصل مع أكبر قدر من القراء. وأنا لا أؤمن بنص مغلق لا أتواصل فيه مع القارئ، أؤمن بنص توجد فيه طبقات. طبقات من المعنى وطبقات من الأسلوب، والقارئ هو الذي يأخذ الطبقة التي تناسبه.
/>القارئ العادي يأخذ الطبقة العادية، والقارئ الأعلى يأخذ الطبقة الأعمق في النص. أنا أعتقد أني أكتب نصاً فيه طبقات. فيه طبقة اللغة وطبقة الشكل وطبقة المعنى، وفيه طبقة الثقافة، وهي تقريبا تكون موجودة في قعر النص، وفيه طبقة العاطفة أو الإحساس. كل هذه الطبقات يجب على الشاعر أن يتعامل معها بطريقة مركبة. كان عندي هذا الخوف من نصي بالأخص أنه قائم على بنية مفككة كما أسلفت. إنما أعتقد، على ما لمست من كتابات نقدية أو صحافية، ومن قراء كانوا ينقلون لي رأيهم بطريقة شفهية مباشرة، أن هذا النص لاقى قبولا واستحساناً.
/>على كل حال أي نص جديد يمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي الرفض، والمرحلة الثانية هي الحذر، أي الدخول إلى النص بحذر، والمرحلة الثالثة هي الانتشار. أعتقد أني مازلت في المرحلة الأولى.
/>أي كتابة تدعي أنها جديدة لا بد أن تواجه في البداية، لأنها تكون غير مستساغة في المخيلة الثقافية وغير مستساغة في الذائقة الأدبية القائمة. القراء على قلتهم (لا أدعي أن هناك قراء كثيرين حتى لكبار الكتاب في عالمنا العربي)، هم الذين يحددون إن كان النص جيداً أو مقبولاً.
/>* لاحظت أن ثمة تركيزاعلى إبراز التفاصيل الصغيرة والأشياء المهملة، وكأنها تشكل عصب قصيدتك. لماذا؟
/>ـ هذا جزء من طبقات النص الذي تكلمت عنه. في هذا النص دعني أقول أن ثمة عالمين: عالم داخلي وعالم خارجي. العالم الداخلي هو جزء من سيرتي يعني أنا أتحدث عن نفسي كطفل وأتحدث عن نفسي كمراهق، وأتحدث عن نفسي في الزمن الحاضر. في الجزء الخارجي، كنت أتحدث عن الستارة وعن الشرفة وعن الشارع وعن مقبض الباب، وعن الرصيف والبحر والغيوم والسماء. دائما العملية الإبداعية هي مبادلة بين الداخل والخارج. الداخل والخارج يتقاتلان أو يتصارعان في داخل الشاعر. عملية الذهاب والاياب ما بين الداخل والخارج هي عصب أساسي أو طبقة أساسية في أرض معزولة بالنوم. الكتابة التي يسمونها كتابة الظواهرأو كتابة الهامشي أو التفصيل، هي جزء من كتابة قصيدة النثر الحديثة التي تقوم على التفاصيل، لأني صراحة خرجت من جيل مهزوم، وفي رأيي المتواضع أن القضايا الكبرى في الوطن العربي ماتت (وقد أكون مخطئاً)، على الأقل في الكتابة الأدبية، ولم تمت في الخارج. يعني لا يزال هناك أشخاص يؤمنون بقضايا كبرى مثل التحريروالتنمية والدولة والثورة وغيرها من القضايا الكبرى. إنما في الكتابة لم تعد هذه المواضيع محل جذب في الكتابة. أصبحت الأنا الصغرى هي محور العالم وهذا ينسجم مع الحداثة. وفي رأيي هذا مؤشر جيد في العالم العربي لأن هذا يدل على صعود الفردية رغم كل الفكر الجماعي في الفكر العربي، ومقابل هذا الفكر الجماعي نرى فردية صاعدة وناشئة في العالم العربي. وهذا جزء من الخلخلة التي تحدثت عنها يعني الفكر الجماعي موجود مقابل الفردية. في النهاية أنا أتكلم عن القضايا التي أحسها وتمسني. أتكلم من حواضر البيت. أرى شباكاً أكتب عنه، أتفاعل أمام نسمة هواء فأكتب عنها. إنما أتصور أن كتابة الهامشي أو التفاصيل، تعود إلى سمة أساسية في شعري التي هي الرؤية أو حاسة النظر، التي تتكرر كثيراً في شعري وبالتالي هذه التفاصيل ربما هي انعكاس لهذه الحاسة.
/>