هل هو حادث فردي أو مجرد حادث سير؟ كما يحب تصوير الأمور أحد النواب الصغار الصغار من أزلام النائب ميشال عون. الجواب أنه كان طبيعياً أن يطلق «حزب الله» النار على طائرة هليكوبتر من طراز «غازيل»، وأن يؤدي ذلك إلى استشهاد النقيب الطيار سامر حنا ابن الستة وعشرين عاماً. من يقيم ميليشيا مسلحة في البلد، بدعم إيراني وسوري، وينشر قواته وأسلحته وعناصره الأمنية في طول الأراضي اللبنانية وعرضها لا بدّ له من أن يصطدم في نهاية المطاف بقوى الشرعية اللبنانية. حصل ذلك في الماضي ويحصل الآن وسيحصل في المستقبل ما دام هناك صدام بين منطقي الثورة والدولة. لا تعايش بين المنطقين ولا إمكان لعيش مشترك بينهما، وهو ما يطمح إليه «حزب الله» الساعي إلى جعل الجيش مجرد ملحق بدولته. هناك هدنة في أحسن الأحوال... إلى أن يأتي اليوم الذي تتحلل فيه الدولة اللبنانية بعد تفتيتها على نحو كامل. وبكلام أوضح، لا بدّ من الاعتراف بأن هناك خطراً حقيقياً على الجمهورية اللبنانية كدولة ذات مؤسسات خاصة بها بعد فشل المحاولات المستميتة لإعادة وضع اليد عليها. يبدو أن الخطر الأكبر في المرحلة الراهنة على الجيش الذي حمى مؤسسات الدولة التي هو جزء لا يتجزأ منها، كما حمى مرحلة الانتقال من عهد الوصاية إلى بداية الاستقلال الثاني. يبدو كأن على المؤسسة العسكرية دفع ثمن تأمينها الغطاء لعملية الانتقال هذه التي جاءت بدفع شعبي عفوي يعبر عن وجود شعور وطني حقيقي يجمع بين سائر اللبنانيين بغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها. هؤلاء يشكلون أكثرية حقيقية تعمل من أجل الاستقلال ومن أجل قيام الدولة وتقف في الوقت ذاته في وجه الانقلاب المضاد الذي ينفذ على مراحل.
ما حصل في جنوب لبنان أمر أكثر من طبيعي. إنه يندرج في سياق ما يتعرض له الوطن الصغير منذ أعوام عدة، والذي كانت من محطاته الأساسية جريمة التمديد لاميل لحود في رئاسة الجمهورية، وسلسلة الأحداث التي يتعرض لها منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي قرر فيه النظام السوري المضي في استكمال وضع يده على البلد من منطلق أنه «ساحة» يمارس من خلالها سياسة الابتزاز مع العرب الآخرين، ومع القوى الدولية بهدف واضح كل الوضوح يتمثل في التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب لبنان واللبنانيين.
لم يحد النظام السوري قيد أنملة عن مخططه الذي يشاركه فيه النظام الإيراني. ما تغير بين العامين 2004 والعام 2008 عند إطلاق «حزب الله» النار على هليكوبتر لبنانية في داخل الأراضي اللبنانية، هو الانتقال من مرحلة السيطرة على لبنان من دون تفكيكه وتفتيته، إلى مرحلة العمل على تفكيكه من أجل السيطرة عليه. ظنّ النظام السوري في البداية أن مجرد التخلص من رفيق الحريري كفيل بعودة الأمور إلى نصابها وإلى إفهام كل من يعنيه الأمر أن لا شيء تغيّر ولا شيء يمكن أن يتغيّر في لبنان منذ اغتيال الرئيس رينيه معوّض، ومنذ توقيع معاهدة الأخوة بين البلدين في الثاني والعشرين من مايو 1991. ومن أجل محاولة فهم الذهنية السائدة لدى النظام السوري في تلك المرحلة، أي لدى استشهاد رفيق الحريري، وهي الذهنية التي لا تزال سائدة لديه إلى اليوم، لا بدّ من العودة إلى ما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأولى بعد وقوع جريمة العصر. كان مطلوباً أن يكون اغتيال رفيق الحريري، الذي كان زلزالاً بكل معنى الكلمة تجاوزت أبعاده لبنان، أشبه بحادث عارض نتيجة اصطدام بين سيارتين. إنه مجرد «رذالة» على حدّ تعبير اميل لحود في وقت لاحق. ولذلك، لم يتردد رئيس الجمهورية وقتذاك في اعطاء تعليماته أمام الوزراء بتنظيف مسرح الجريمة وإزالة معالمها وفتح الطريق أمام حركة السير... وكأنّ شيئا لم يكن.
كان تصرف اميل لحّود في جلسة مجلس الوزراء أفضل تعبير عن التفكير السوري الذي سيتبين يوماً أنه ليس بعيداً عن التفكير الإيراني الذي يتلخص في وضع اليد على لبنان واستخدامه «ساحة». لم يتغير شيء منذ وقوع الجريمة. العامل الوحيد الذي لم يأخذه النظامين الإيراني والسوري في الاعتبار أن لبنان سيصمد وأن اللبنانيين سينزلون إلى الشارع للرد على كل محاولات تغطية الجريمة، بدءاً بتظاهرة الثامن من مارس التي كان الهدف منها شكر النظام السوري على اغتيال رفيق الحريري وإرهاب اللبنانيين. ولذلك توالت الخطوات الترهيبية في حق اللبنانيين مع استمرار الاغتيالات والتفجيرات وافتعال الحروب الكبيرة والصغيرة وتشجيع الإرهاب الاصولي في شمال لبنان، واحتلال وسط بيروت ثم شن «غزوة بيروت» وصولاً إلى المرحلة الراهنة.
لم تنجح محاولات وضع اليد على لبنان بعدما قاوم اللبنانيون وأظهروا أن المقاومة الحقيقية التي تتصدى للمشروع الإسرائيلي المدعوم إيرانياً وسورياً هي تلك التي تقف في وجه ميليشيا «حزب الله» وأدواتها، التي تتخذ أحيانا شكل ميشال عون وفي أحيان أخرى شكل ذلك «السلفي» المزيف الآتي إلى طرابلس عبر الأراضي السورية واسمه شاكر العبسي أو من على شاكلته، لم يتغير شيء ولكن تغيّر الكثير. هناك تركيز مستمر في الأشهر القليلة الماضية على ضرب المؤسسة العسكرية، خصوصاً منذ انتصار الجيش على عصابة شاكر العبسي في مخيم نهر البارد. هل من يريد أن يتذكر أن «حزب الله» اعتبر في مرحلة ما المخيم «خطاً أحمر»، هل من يريد أن يتذكر اغتيال اللواء فرنسو الحاج مدير العمليات في الجيش، هل من يريد أن تعود به الذاكرة إلى أحداث مار مخايل وتأثيرها على المؤسسة العسكرية، هل من يريد أن يتذكر «غزوة بيروت» وما رافقها من تصرفات تسيء إلى الجيش بمقدار ما أساءت إلى أهل بيروت من كل الطوائف والمذاهب؟ في حال كان مطلوباً اختصار أحداث المرحلة الراهنة، يمكن القول ان المطلوب سورياً وإيرانياً، وحتى إسرائيلياً، تفكيك لبنان وتفتيته. هكذا يمكن فهم الهجمة التي يتعرض لها الجيش. ومن هذا المنظار يمكن أيضاً فهم تورط «حزب الله» في أحداث طرابلس عن طريق المواجهة بين بعل محسن وباب التبانة أحياناً ودعم بعض العناصر السنية المتطرفة في أحيان أخرى! يبدو مطلوبا ابتلاع لبنان قطعة قطعة بعد ثبوت العجز عن ابتلاعه لقمة واحدة.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
ما حصل في جنوب لبنان أمر أكثر من طبيعي. إنه يندرج في سياق ما يتعرض له الوطن الصغير منذ أعوام عدة، والذي كانت من محطاته الأساسية جريمة التمديد لاميل لحود في رئاسة الجمهورية، وسلسلة الأحداث التي يتعرض لها منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي قرر فيه النظام السوري المضي في استكمال وضع يده على البلد من منطلق أنه «ساحة» يمارس من خلالها سياسة الابتزاز مع العرب الآخرين، ومع القوى الدولية بهدف واضح كل الوضوح يتمثل في التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب لبنان واللبنانيين.
لم يحد النظام السوري قيد أنملة عن مخططه الذي يشاركه فيه النظام الإيراني. ما تغير بين العامين 2004 والعام 2008 عند إطلاق «حزب الله» النار على هليكوبتر لبنانية في داخل الأراضي اللبنانية، هو الانتقال من مرحلة السيطرة على لبنان من دون تفكيكه وتفتيته، إلى مرحلة العمل على تفكيكه من أجل السيطرة عليه. ظنّ النظام السوري في البداية أن مجرد التخلص من رفيق الحريري كفيل بعودة الأمور إلى نصابها وإلى إفهام كل من يعنيه الأمر أن لا شيء تغيّر ولا شيء يمكن أن يتغيّر في لبنان منذ اغتيال الرئيس رينيه معوّض، ومنذ توقيع معاهدة الأخوة بين البلدين في الثاني والعشرين من مايو 1991. ومن أجل محاولة فهم الذهنية السائدة لدى النظام السوري في تلك المرحلة، أي لدى استشهاد رفيق الحريري، وهي الذهنية التي لا تزال سائدة لديه إلى اليوم، لا بدّ من العودة إلى ما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأولى بعد وقوع جريمة العصر. كان مطلوباً أن يكون اغتيال رفيق الحريري، الذي كان زلزالاً بكل معنى الكلمة تجاوزت أبعاده لبنان، أشبه بحادث عارض نتيجة اصطدام بين سيارتين. إنه مجرد «رذالة» على حدّ تعبير اميل لحود في وقت لاحق. ولذلك، لم يتردد رئيس الجمهورية وقتذاك في اعطاء تعليماته أمام الوزراء بتنظيف مسرح الجريمة وإزالة معالمها وفتح الطريق أمام حركة السير... وكأنّ شيئا لم يكن.
كان تصرف اميل لحّود في جلسة مجلس الوزراء أفضل تعبير عن التفكير السوري الذي سيتبين يوماً أنه ليس بعيداً عن التفكير الإيراني الذي يتلخص في وضع اليد على لبنان واستخدامه «ساحة». لم يتغير شيء منذ وقوع الجريمة. العامل الوحيد الذي لم يأخذه النظامين الإيراني والسوري في الاعتبار أن لبنان سيصمد وأن اللبنانيين سينزلون إلى الشارع للرد على كل محاولات تغطية الجريمة، بدءاً بتظاهرة الثامن من مارس التي كان الهدف منها شكر النظام السوري على اغتيال رفيق الحريري وإرهاب اللبنانيين. ولذلك توالت الخطوات الترهيبية في حق اللبنانيين مع استمرار الاغتيالات والتفجيرات وافتعال الحروب الكبيرة والصغيرة وتشجيع الإرهاب الاصولي في شمال لبنان، واحتلال وسط بيروت ثم شن «غزوة بيروت» وصولاً إلى المرحلة الراهنة.
لم تنجح محاولات وضع اليد على لبنان بعدما قاوم اللبنانيون وأظهروا أن المقاومة الحقيقية التي تتصدى للمشروع الإسرائيلي المدعوم إيرانياً وسورياً هي تلك التي تقف في وجه ميليشيا «حزب الله» وأدواتها، التي تتخذ أحيانا شكل ميشال عون وفي أحيان أخرى شكل ذلك «السلفي» المزيف الآتي إلى طرابلس عبر الأراضي السورية واسمه شاكر العبسي أو من على شاكلته، لم يتغير شيء ولكن تغيّر الكثير. هناك تركيز مستمر في الأشهر القليلة الماضية على ضرب المؤسسة العسكرية، خصوصاً منذ انتصار الجيش على عصابة شاكر العبسي في مخيم نهر البارد. هل من يريد أن يتذكر أن «حزب الله» اعتبر في مرحلة ما المخيم «خطاً أحمر»، هل من يريد أن يتذكر اغتيال اللواء فرنسو الحاج مدير العمليات في الجيش، هل من يريد أن تعود به الذاكرة إلى أحداث مار مخايل وتأثيرها على المؤسسة العسكرية، هل من يريد أن يتذكر «غزوة بيروت» وما رافقها من تصرفات تسيء إلى الجيش بمقدار ما أساءت إلى أهل بيروت من كل الطوائف والمذاهب؟ في حال كان مطلوباً اختصار أحداث المرحلة الراهنة، يمكن القول ان المطلوب سورياً وإيرانياً، وحتى إسرائيلياً، تفكيك لبنان وتفتيته. هكذا يمكن فهم الهجمة التي يتعرض لها الجيش. ومن هذا المنظار يمكن أيضاً فهم تورط «حزب الله» في أحداث طرابلس عن طريق المواجهة بين بعل محسن وباب التبانة أحياناً ودعم بعض العناصر السنية المتطرفة في أحيان أخرى! يبدو مطلوبا ابتلاع لبنان قطعة قطعة بعد ثبوت العجز عن ابتلاعه لقمة واحدة.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن