رحمَ اللهُ ابنَ مُـعَـلَّـى؛ شَجَانـي- واللهِ- قولُه:وتَلْجَلَجَ النَّـاعِـي بـــهِ، فسألْـتُـــهُ/ عَـــوْدَ الحـديــثِ لَـعلَّـه يَــرْتَــابُ/ أَنْـفِـي، ويُـوجِـبُ أنْ يقولَ حقيقةً/ فِـعْـلَ الشَّفِـيقِ، وغُلِّبَ الإيجابُ/ فطَـفِـقْتُ ألْـتَـمِسُ الْعَـزاءَ فَخانَـنِـي/ نَــفَـسٌ يَـذُوبُ، وأدْمُعٌ تَـنْسَـابُ.كانت السَّنةُ الميلادية في النَّـزْع الأخير، في حين ِكان شيخُنا وأستاذنا العلامةُ الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف*- على موعدٍ مع مولاه، مُلَـبِّـيًا النداءَ الأقدس، تاركا هذا العالَـمَ الموبوءَ وراء ظَهْره.هتكَ نبأُ وفاته حجابَ نفسي، أرسل عليها رياحَ الحزن، فعصفتْ بما فيها من نبات وشجر؛ اقتلعَـتْـه اقتلاعا. وما زال الأمرُ بي حتى وَقَـرَ في الفؤاد الجزَعُ والوَجَعُ، وتكاثف الألم، فردَّ صدري ضيِّقًا حَرَجًا، وظهر معدنُ الطينة البشرية المنتثرة؛ فاستحال ثباتُـها تَـهافُتًا، واستقرارُها زعزعةً، واطمئنانُـها هَياجًا، وأُنْسُها وَحْشةً، وصفاؤُها كَدَرًا. ولعمرُ الله، إن فَقْدَ الأحباب لَـفَـعُـولٌ لهذا كلِّه، ولأكثر منه!للهِ أنا! أراني حائرا حيرانَ! من أين أبدأ الكتابةَ عن هذا الطَّوْد الباذخ؟! والخوضُ في سيرة العظماء على البديهة مما يَـشُـقُّ على النَّـفْس، ويتأبَّـى على القلم؛ فهذا وأمثالُه سبيلُه نارُ الرَّوِيَّـة، والفكرةُ الطويلة!كيف؟ ولا مناصَ من البوح؛ فالقلب فاض بما يجد؛ لا الكتمانُ ينهض بِـطَـيِّـه، ولا التجلُّدُ يَقْوَى على كَظْمِه، هذا- والله- هو العذاب الأكبر، ولا مَـفَـرَّ من الإعراب عما في الضمير، فهو أَشْفَى له، وأَقْوَمُ لراحته !!رأيتُ الرجلَ- أولَ ما رأيتُه- أيام الطَّلَب، في دارة العز- دار العلوم- وأنا إذ ذاك في شَـرْخ الشباب، لا هيئةَ لي في لقاءِ الكُبراء، ومُـحاورةِ العظماء، وقد كانتْ مُكافحةُ هؤلاء السادةِ الملوكِ أشبهَ بالثرى حين يرنو إلى الثريا، وهذه حالٌ يحتاج المرءُ فيها إلى عادةٍ غير عادته، وكلامٍ غير كلامه، بهما يستقيم اللقاء، ويكون الظَّـفَـرُ.تقع عينُك عليه -أولَ ما تقع- فإذا مَـلِـكٌ عزيز الجانب، وثيقُ الجاه، يَـفيضُ بملامح الفتوَّة، وحبائل المروءة، في رباطة جَأْش، وسكون بالٍ، وجُـموم خاطر، فتمتلئ النفسُ منه مهابة وإجلالا.وتلمح في عينيه- أولَ ما تلمح- نَـباهةً تلمع، وذكاءً يتوقَّد، ونظرةً تَـخْترقُ حُجُبَ النَّـفْـس، يَـأْنَس له من يراه، فيَـبِـيـنُ عن لِـيـن جانب، ورِقَّـةِ حاشية، قد صَفَتْ روحُه من شوائب الصَّلَف، ومَقابِـح الكبرياء، وتلك أمارةُ النَّسابة، وعلامةُ الشَّرف، وآيةُ الْـحَسب، وسَجِـيَّـةُ أهل البصيرة.والعالِـمُ الحقُّ ينبسط لطلابه ومُريديه، في سماحة نَـفْس، وخَفْض جَناح، ولا يكون التكلُّف حين يكون، إلا في النفوس المريضة التي تَـجْـبُـرُ نقصَها بالزهو والخيلاء!أما إذا تكلم، فما هو إلا اللفظ الحلو الرشيق، كأنه الذهب والياقوت، وما هي إلا الحكمة النادرة، تنزل على مَوات النفوس، نزولَ الماء على ذي الغُلَّـة الصادي، فتُحييها، وتُلامسُ الروحَ فتجلو صدأها، وتصقلُها بعد عَفائها. وآيةُ رضا الله على العبد أن يُـوقِـفَه على مواطن الحكمة، ومواضع الجمال، ومساقط الْـحُسْن.وكم في محادثة أهل العلم والأدب من تلقيح للعقول، وتسريح لِلْهَمِّ، وترويح للقلوب، وكم في مُـجالستهم مما يُـعِـيـن على الدَّهْر، ويُذلِّـلُ الْـحَـزَن والْـحَـرُون. ومن ظفر بواحد منهم- وهم في زماننا أعزُّ من الكبريت- فقد حَظي بوجه الجمال، ونال عين الرضا.وللهِ مقالةُ عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه-: والله، إني لأشتري المحادثةَ من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقول هذا مع تَـحـرَّيكَ وتنزُّهكَ، وشدةِ تَـحفُّظك؟ فقال: والله، إني لأعود برأيه ونُـصْحه على بيت مال المسلمين بألوف الدنانير.وقد شاء اللهُ أن يكون الشيخُ قَـدَرَ أُمَّـةٍ، عاقبةُ النبوغِ فيها الصدُّ القبيح، والجفاءُ الفاحش، والتغافلُ عن الثواب؛ أن يكونَ قَدَرَ زمانٍ يتبارى فيه المنافقون لشراء رضا السيد بكل صفراء وبيضاء، زمانٍ الناهضون فيه بأثقال الأمة من النَّـوْكَى، وعمَّت البلوى بأن نَـرى النِّـكْـسَ مُـبْـرِمًـا ناقضًا، رافعًـا واضعًا، باسطًا قابضًا، والغِـمْـرَ متجاوزًا حَدَّه، مُتطاولا إلى ما ليس له، والحقيرَ مُتقحِّمًا ذُرا المناصب، مُتَعاليًا على السادة الأشراف. وتلك آياتُ الخذلان!فصلتْه الجامعةُ من عمله؛ لـحُجَّةٍ أَوْهَى من بيت العنكبوت؛ وهي الجمع بين وظيفتين: العملِ بالجامعة، ونيابةِ رئاسة مجمع اللغة العربية، وهذا- لعمر الله- موضعُ محمدة، وموطن مفخرة، تتيه به الجامعة، وتزهو على مثيلاتها، وإذا لم يكن أعضاءُ مجامع اللغة من أساتذة الجامعات، فمن أي وادٍ يكونون؟!إن أرواحنا في أزمة، وأمةٌ هذا صنيعُها بنُـبلائها هي أمةٌ كتب الله عليها الحرمان، ورحم اللهُ الشريفَ الرضيَّ:إذا أنتَ أَفْـنَـيْتَ العَـرانينَ والذُّرَىرمَـتْكَ الليالي من يَـدِ الخاملِ الذِّكْرِوما ذاك المصيرُ الذي وَرَدَهُ الشيخُ إلا لأنه أبَـى أن ينام واللهُ ماقِـتٌ عليه، نأى بجانبه أن يقترف ما يَـرْذُل مُروءتَـه، هذا غيرُ معهودٍ بين أحرار الناس، أَبَـى أن يَـنْسُج على مِـنْوال القوم، أو أن يدخل في سَـوادهم، أَبَـى أن يَـجذِبَ رِشاءَهم، أو أن يَغْمِس يَـدَه في ما غمسوا فيه أيديهم من الضَّعَة والْـحَطِّ، حفظ لسانه أن يَـلَـغَ في الحامض، وصان عِـرْضَه أن يخوض فيما يُـزْري به.وهذا فيه ما فيه من الكُلْفة والمشقة؛ إذ ليس لكلٍّ هذه الْـمُـنَّـة، والفِطامُ عن دار الدنيا صعب، لكن عاقبته السؤدد والمجد؛ وعَهْدُنا بالعظماء أنهم لا يمزجون رقيقا بـخاثر، ولا سَـمِينا بـغَـثٍّ؛ إن الله اصطفاهم لاستخلاص الحكمة، وقيادة قلوب الناس.ومن جميل قولِ أبي حيانَ التوحيدي- رحمه الله-: «من تَـخَـنَّـثَ وتَـلَـيَّـثَ، لم يكن رجلا ولا امرأة».وإنا لنعرف العالِـمَ الصادق إذا رَكِـب جَدَدَ القول من غير تَـقِـيَّـة، وامتطى صهوةَ التصريح من غير تعريض؛ فلا تزاحمُ منكبَه الكناياتُ، ولا تعوقُ نضالَـه التوريةُ، وقد ظفر بالفوز من قطع طمعَه عن الخلق أجمعين.وقديما قال معاويةُ لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- وقد رآه لا يَـلِـي له عَملا، ولا يَـقْـبَـلُ منه عَطِـيَّـةً-: يا ابن أخي، هذه الدنيا؛ فإما أن تَـرْضَـعَ معنا، وإما أن تَـرْتَـدِع عنا!وشاء اللهُ أن يكون قَـدَرُه غالبا، لا ينازعه فيه أحدٌ، فيموت الشيخُ واقفا كما تموت الأشجار، صامدا كالجبل الأشمِّ، شامـخا كصهيل الخيول يقتلعُ صمتَ الليل، ويرقد في مثواه الأخير كما يرقد العظماء، ويُطَـوِّف ذِكْـرُه في الآفاق، يُشرِّق ويُغرِّب، يُـتْـهِم ويُـنْـجِد.وكأني الآن بمن نازعوك ثياب المجد- سيدي- وقد ألقى بهم التاريخُ في مَـزابله، ولقَّـنَـهم أن الصَّعْل الأخرق أبدا لا يُسامق بِبَـاعِه قُـنَـنَ الجبال، كأني بهم الآن يأكلون أصابعَهم من الأسَف، ويَـزْدَرِدون ريقَهم من الندم، على ما فاتهم من النظر في عاقبة ذلك اليوم، الذي أبان عن ضُؤولتهم؛ حين احتشدت هذه الجمهرة المتكاثرة في وداعك، واسْتَـوْفَـزَتْ في موكب رحيلك، لاهجةً بالترحُّم عليك؛ إن هذا- والله- لمن علامات الغنيمة، وبِـشارات حُسْن الخاتمة، ودلائل النُّجْح، وهو أمارةُ من له مع الله أسرار خفية، ومع عباده عادةٌ جاريةٌ على الحب والخير، وحالُ من جُـمِـعتْ له ذخائرُ الشكر، وودائعُ الأجر.نَـمْ هانئا -سيدي- فهذه مجامعُ القلوب أنتَ مَليكُها، وأقطارُ النفوس أنت سلطانُـها، وتلك آثارك تبعثُ رميمَ العقول، وتوقظُ ناعسَ العيون، تفتح أبواب الْـهِمَّة، وتُـعَـبِّد سُـبُلَ البركة، وهؤلاء طلابك قد ضاق عنهم السَّهْلُ والعَـلَم، ينتجعون من عُشْـبك، ويَـرْتوون من نَـبْـعك، أعانهم الله على فَقْدِك الْـجَلَل، وشفى أكبادهم المقروحة، وأفئدتهم الملتاعة!ربِّ، لا تُسْهِمْ وجهَه عندك، ولا تُـزِلَّ قدمَه في حَضْرتك، ولا تَـقْطعْ عنه إحسانَـك ولُطْـفك، واصرفْ عنه غضبك، وسُقْ رحمتَك إليه سَوْقا، واكُـنُـفْه بكرمك ومغفرتك.ربِّ، ولا تكتبْ علينا الوحشةَ بفقد علمائنا، ولا تكافئْ غفلتَـنا برحيلهم، ولا تُسلِّطْ علينا فسائلَ الناس وأراذلَـهم.* كان نائب رئيس مجمع اللغة العربية بمصر، وأستاذ النحو والصرف والعروض، بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ومصنفاته طبَّقت الآفاق، وطلابه في أرجاء العالم ملء السمع والبصر، رحمه الله.-alkanz@hotmail.com
محليات - ثقافة
رؤى / في وَداع الْمَلِك
د. محمد مصطفى الْكَنز
06:52 م