وقع بين يدي كتاب للكاتب سعد سلوم عن الأقليات في العراق، صادر عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، تناول فيه مجموعة من الباحثين المكونات الأساسية للمجتمع العراقي، ومن ضمنها ورقة عن المسيحيين، مقدمة من الباحث العراقي آرا بدليان، يتحدث فيها قائلا:منذ القرن الأول للميلاد عاش المسيحيون في العراق، ومع حلول القرن السابع الميلادي، كان عدد أتباع الكنيسة في العراق يضاهي أتباع جميع الكنائس الغربية، وقبل وصول الإسلام 637 م كان أغلب العراقيين مسيحيين، وكانت توجد 14 طائفة مسيحية يتحدث أبناؤها اللغة العربية، ويزيد عددهم على مليون ونصف، وكان لهم دور كبير في الترجمة والعلوم والطب، هُجّر ثلثاهم واندثر وجودهم في بعض المناطق كالبصرة والحبانية.مسيحيو العراق يشكلون نحو 3 في المئة من عدد السكان خارج البلاد، وقد ساهموا في النهضة منذ تأسيس العراق الحديث عام 1921، واستمر الوجود المسيحي فاعلا في العهدين الملكي والجمهوري حتى عام 2003. وبدأت هجرتهم من العراق منذ مجزرة سميل في شمال العراق عام 1933، التي راح ضحيتها 4000 مسيحي من الأطفال والنساء والشيوخ، تلاها أحداث الشمال والحركة الثورية الكردية، ما تسبب في تدمير الكثير من القرى المسيحية، وازدادت الهجرة بعد حصار العراق وحرب الخليج الثانية 1990، وتفاقمت حدتها بعد الاحتلال الأميركي 2003، واستخدامه سياسة الفوضى، التي جلبت العنف الطائفي الذي عصف بالعراق حتى 2008، وبوجود خطة خارجية لإفراغ الشرق من المسيحيين وتهجيرهم واستقطابهم بكل الوسائل والسبل، حتى لم يتبق منهم 300 ألف فقط.قدرت المفوضية العليا للاجئين أن 40 في المئة من المهاجرين العراقيين هم مسيحيون، والمحدد القومي في الغالب آشوري وكلداني وأرمن وسريان، أما المحدد الديني، فالأغلبية بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس.وعلى الرغم من الحقوق التي كفلها الدستور العراقي للأقليات، فعن طريق الكوتا يوجد خمسة أعضاء في البرلمان العراقي مسيحيين من مجموع 275 عضوا، إلا أن العائق الأمني جعل الدولة عاجزة عن حماية المواطنين، مما دفع بعض القيادات المسيحية إلى تأييد فكرة إنشاء منطقة خاصة لهم، والتي نرى أنها فكرة لا تخدم العراق ووحدته وتنوعه أبدا.ولقد ساهم المسيحيون في نهضة أوطانهم العربية، حيث برزت شخصيات مسيحية تركت أثرا كبيرا في مجتمعاتنا: يوحنا الدمشقي، واسحاق النينوي، وانستاس ماري الكرملي، ويوسف الحبي، والحارث الغساني، وجبران خليل جبران، وبطرس بطرس غالي، وميشيل عفلق، ويوسف شاهين، وفارس خوري، وجبران تويني، وفيروز وعاصي الرحباني، وكارلوس سليم، والياس خوري، ومجدي يعقوب، وأمل دنقل، والبابا شنوده، ونجيب ساويرس ولويس عوض، وحنان عشراوي، وجورج حبش، ومي زياده، وديع حداد، وخليل السكاكيني، وغيرهم مئات.والدوافع للهجرة كثيرة، إما أسباب اقتصادية أو سياسية كالحروب والتمييز والحرمان من بعض الوظائف، أو تنامي الحركات الأصولية المتطرفة، وهناك دوافع ذاتية مثل البحث عن فرص العمل والدراسة والزواج وتكوين أسرة، ودوافع اجتماعية وسياسية بسبب اعتبار المسيحي مواطنا من الدرجة الثانية حتى مع ضمان وجود الحرية الدينية إلا أنها محددة بقوانين وممارسات خاصة، مما جعلهم يشعرون بالغربة في أوطانهم.أخيرا تطرح الورقة بعض الحلول لمعالجة مشكلة الهجرة من العراق، ونراها تصلح لبقية الأقطار العربية، من أهم الحلول:-إعادة ثقة المواطن المسيحي بوطنه، وتثبيت حقوقه المدنية وعدم التعامل معه كأقلية، من قبل الحكومات العربية.-وضع سياسات للحد من الهجرة، مع محفزات للبقاء في أوطانهم، وأساليب لجذب آلاف المهاجرين.-تعزيز مساهمة المسيحيين في مؤسسات الدولة والمواقع القيادية فيها وخاصة الأمنية والعسكرية.-تنظيم حملات إعلامية ومؤتمرات للتعريف بمخاطر الهجرة.-تبني التشريعات لحماية كافة مكونات النسيج الوطني للمجتمع، من مسيحيين ويهود وأيزيديين وغيرهم من المكونات.نعيد ونقول: كل مسيحي موجود على أرض عربية هو مكسب للعروبة، لأن وجوده يعزز التنوع العربي الإنساني الحضاري والثقافي، وهجرة أي فرد منهم هي خسارة لنا، فتحية للمسيحيين الصامدين على أرض العروبة، وكل عام وأنتم بخير.aalsaalaam@gmail.com
مقالات
ضوء
المسيحيون في العراق
05:33 ص