| بيروت - من هلا داغر |
يحمل الابن - في بعض الاحوال - الكثير من سمات الاب، وبخاصة في المجالات الابداعية، سواء في الادب او الفن او حتى الرياضة، كما ان الابن من الممكن ان يكتسب بعض صفات الاب، من خلال حب وظيفة محددة، او الاندماج في هواية بعينها، وبهذه الطريقة ينطبق على المثل الذي يقول «ابن الوز عواد».
وقد يستمر الابن في تتبع خطوات والده في الحياة، من خلال المضي قدما في طريقه الذي قضى فيه الوالد سنوات، والالتقاء معه في سرية ذاتية ربما تتوافق في الكثير من اشكالها.
وفي حلقات «الابن سر ابيه» سنتوقف عند سير ابناء تتبعوا خطوات الآباء، فأبدعوا سواء في الفن او الأدب او الرياضة او الصحافة، من اجل الوقوف عند جوانب الابداع عند الاب والابن معاً.


عائلة فنية خاضت التمثيل وبرعت في الأعمال الدرامية فتركت بصمات فيها من الأب جورج شلهوب الى الأم السي فرنيني الى الابن يورغو شلهوب. العام 1973 لعب جورج شلهوب أول دور له في مسلسل «المشوار الطويل» أمام نخبة من الممثلين اللبنانيين أمثال شوشو وليلى كرم والمصري محمود المليجي، فحقق نجاحاً كبيراً وكرت سبحة النجاحات. وفي العام 1974 بدأت السي فرنيني مسيرتها الفنية فلعبت دور البطولة الأولى في مسلسل «مذكرات ممرضة»، أما يورغو فبدأ مسيرته الاحترافية في مسلسل «نساء في العاصفة» الذي أثار ضجة كبيرة وحقق نسبة مشاهدة عالية جداً في حينه.
ليس الزامياً أن يكون ابن الممثلين ممثلاً كما يقول يورغو، ولكن حين يجتمع العامل العائلي مع الموهبة التي تسري في العروق، لا يمكن للشخص أن يفلت من قدره المهني. بين جورج والسي ويورغو جامع مشترك هو «سحر التمثيل» الذي جمعهم في منزل واحد وخلف كاميرا وعلى خشبة مسرح، فكانت عائلة ناجحة في ميدان التمثيل.
السي فرنيني المشجعة
تضع الممثلة السي فرنيني اختيار ابنها يورغو مهنة التمثيل ضمن الاطار الطبيعي وخصوصاً أنه فتح عينيه منذ صغره وترعرع في أجواء الأعمال التلفزيونية والمخرجين وكتّاب السيناريو، ووسط مكتبة متخصصة وشاملة في البيت جمعها زوجها جورج شلهوب وضمت كتباً ومجلدات ومراجع حول أعمال الفن السابع الأميركي والغربي والعربي، فضلاً عن وجود والده الذي درس أصلاً التمثيل في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وتمتع بثقافة فنية أكاديمية: «كل هذه العوامل اجتمعت في تحديد خيار يورغو فضلاً عن اكتسابه بدوره الثقافة الفنية والدراسة في معهد الفنون أيضاً وتمتعه بموهبة التمثيل من دون أدنى شك. أعتقد أيضاً أن الفن له علاقة بالجينات. حين يقال انه يسري في الدم فهذا صحيح».
وتضيف أن «شقيقه نديم ليس لديه هوس بالفن مثل يورغو. ورغم أنه ينتبه الى تفاصيل دقيقة في الأعمال الدرامية والموسيقية، الا أنه مختلف عن شقيقه اذ توجه الى التسويق والاعلانات، وكلاهما ترعرعا في عائلة واحدة... أما التمثيل فهو بالنسبة اليه هواية. أدى دوراً صغيراً في مسلسل «فاميليا»، واقتنع منا أن الفن في لبنان لا يمكن أن يكون مهنة تكفي وحدها الفنان غير المحمي وغير الحاصل على حقوقه من قبل الدولة. فاذا لم يعمل لا يمكنه ان يستمر معيشياً ولا أن يتكل على أي مدخول آخر. كان مدركاً لهذا الجرح وخصوصاً أني وجورج عشناه وما زلنا نعيشه».
ولكن مع يورغو اختلف الأمر، على ما تقول: «حين قرر دخول ميدان الفن والتمثيل كنا في تلك المرحلة مقتنعين أن مستقبل الدراما في بلدنا سيكون زاهراً ومنتعشاً. كان هناك أمل بدوران العجلة الفنية في لبنان وأن هناك مهنة شريفة وراقية تفرض نفسها بأعمال ملتزمة بتقاليد معينة في مجتمعنا. كان الفن نظيفاً وكان أملنا كبيراً. الا أننا كفنانين تلقينا صدمات عدة بعدما فشلت أحلامنا في أعمال وضعنا خططاً لها ولكن الظروف التي عاشها البلد على مر السنين منعت انطلاقنا بقدر هذه الأحلام. راهنّا على البلد بأعمال لبنانية تلفزيونية وسينمائية ومسرحية ولكن للأسف أصبنا بخيبة كبيرة».
وتتحدث السي فرنيني عن انطلاقة يورغو فتقول انها كانت قوية منذ البداية، ومنذ العمل الاول له في مسلسل «نساء في العاصفة» الذي أثار ضجة كبيرة في حينه: «اكتشف الكاتب شكري أنيس فاخوري لديه طاقة جيدة فصار يبرع بكتابة الدور له لأنه تأثر بكفاية يورغو وأدائه وموهبته المقترنة بالاحساس العالي. فكان أن لبس الدور الى أقصى حد. تمتع يورغو بالموهبة والتقنية التي اكتسبها بالدراسة والممارسة، وأعتقد أن الموهبة مع الدراسة تعني تقنية مع موهبة. لذلك كان متمكناً من جميع جوانب المهنة».
من دون شك تراقب الممثلة القديرة وزوجها جورج شلهوب أعمال يورغو وأداءه «ولكنه لا يحتاج الى مراقبة»، على ما تقول، ذلك أنه «يعمل بكفاية، وهو كالاسفنجة، يمتص الاحساس ويعبّر عنه بقوة. فالممثل الذي لا يتمتع باحساس بالدور وبرغبة قوية في عمله، لا يمكنه أن يقنع المشاهد الذي يلعب دوراً في جعل الممثل مستمراً».
المرة الأولى التي وقفت فيها السي فرنيني وابنها يورغو معاً في العمل نفسه كان في «حبة مسك» في سلسلة «طالبين القرب»: «كان الدور مميزاً وخصوصاً أننا كنا متفاعلين بشكل غريب مع الدور والنص لأننا أدينا أدوارنا الحقيقية كأم وابنها من ضمن النص والقصة، وما أنجح هذه القصة هو النص في ذاته».
ترى السي أن كثيرين من الممثلين من جيل يورغو ومن الذين تخرجوا معاً من معهد الفنون برعوا في التمثيل أمثال جورج خباز وندى أبو فرحات وكارول الحاج وطلال الجردي وسواهم، «ولكن الطارئين على المهنة لا يمكن أن يستمروا لأن غربال الفن يسقط غير الجديرين بالمهنة ويبقي على أصحاب الكفاية. وهذا يدل أن على الممثل أن ينمّي شخصيته الفنية ويصقل موهبته من خلال الدراسة والاطلاع المستمر والمجهود الشخصي لأن هذه المهنة تستحق التعب».
بالطبع، لكل أم أمنيات لولدها في النجاح. تقول: «أتمنى أن ينال يورغو حقه وما يستأهله في هذه المهنة ويحصل على ما يريده. أتمنى له عملاً لبنانياً يصل الى العالمية. لا تنقصه الموهبة ولا الكفاية، ولبنان لا ينقصه الكتّاب والنصوص بل ينقصنا الممولون والمنتجون للوصول الى العالمية ومنافسة الأعمال العربية والعالمية. أتمنى ليورغو أن يصل بالعمل اللبناني الى العالمية».
يورغو لا يعلو على الحاجب
يورغو شلهوب عاش ومازال حلاوة المهنة وبشاعتها: «للتمثيل سحر خاص لا يدركه الا المتورط فيه بارادته وبرغبته القوية. التأثر بالفن ينشأ من الأجواء في البيت من دون شك، ولكن شرط أن يتمتع الشخص بالموهبة. في لبنان السياسة تكون بالوراثة وكذلك العديد من المهن، ولكن في الفن ليس الزامياً أن يكون الوالدان ممثلين كي يصبح الولد ممثلاً. يجب أن يحس بنفسه بالموهبة لكي يمتهن التمثيل، ولكن اذا اجتمع العامل العائلي والموهبة معاً، لا يمكن للولد أن يفلت من قدره المهني».
يورغو الذي دخل ميدان التمثيل قبل خمسة عشر عاماً، نال لغاية الآن ثلاث جوائز تقديراً لأعماله «فهذا دليل على أني لم أتعد على المهنة»، على ما يقول: «والداي نصحا لي بعدم خوض هذا الميدان لأنهما عاشا ظروفه وصعوباته في لبنان، ولم ينلا حقوقهما كسائر الممثلين اللبنانيين من قبل الدولة والنقابات الفنية. والوضع لم يتغير حتى على أيام الجيل الذي أنتمي اليه. مازال وضع التمثيل صعباً لأننا نأخذ حقنا بأيدينا».
ويروي «حين كنت أشاهد جورج والسي على المسرح وعلى بلاتوه التمثيل في التلفزيون، كانت تجتاحني رغبة قوية في التمثيل. دخلت معهد الفنون الجميلة كما فعل والدي من قبلي وخصوصاً أني شعرت أن الاحساس بالتمثيل مولود معي، فتخرجت حاملاً اجازة في التمثيل. ولم يشفع لي كون والديّ ممثلين كي أحظى بأدوار تمثيلية، فلا هما يحبان الوساطة ولا أنا بطبيعة الحال. بدايتي الفعلية كانت مع الكاتب مروان نجار الذي كان يجري اختياراً لممثلين لأحد مسلسلاته، فاختارني. اذاً لم تكن سمعة والديّ في التمثيل جواز عبوري الى المهنة. تعلمت منهما وافدت من تجربتهما وأخذت برأيهما في الفن فضلاً عن قراءاتي واطلاعي على كتب مكتبة والدي في البيت التي أغنتني وأضافت الى ثقافتي الفنية الكثير. تسلحت في التمثيل بكل تلك العوامل».
في صغره أدى أدواراً بسيطة. في الثامنة من عمره مثّل في مشهدين في «شبح الماضي»، وفي التاسعة لعب دوراً في مسلسل «ميليا» مع أمه. وفي الثانية عشرة كان له دورا في مشاهد أمام والده في مسلسل «سجين بين الأصابع». الا أن الوقوف الفعلي أمام والدته في التمثيل كان في «حبة مسك»: «هذا الدور أعطاني احساساً مختلفاً ربما لأن أمي في المسلسل هي أمي الفعلية.
ويشير يورغو الى أن فرص العمل على أيام والديه كانت أفضل بكثير: «كانت الدراما اللبنانية في أوجها. لكنهما اليوم يعانيان من الظروف. لا حماية لمهنة التمثيل في لبنان، والممثلون من جيلي بنسبة 75 في المئة منهم يفكرون بعمل اضافي لاكمال المسيرة. لم أدخل نقابة لأن النقابات لم تحم الممثلين الذين سبقونا فكيف الحال معنا. نحن نتعب ونشعر بالتململ من أوضاعنا كممثلين فكيف بجيل والدي الذي سبقنا. أنا أقدّر هؤلاء الفنانين وأحترمهم لأنهم كانوا الأساس في الدراما اللبنانية حين كانت في مرحلتها الذهبية. ورغم هذه الحال أكتسب معنوياتي من خلالهم».
ويعتبر يورغو أن الدراسة الجامعية جميلة، «فيها نتعلّم التقنية والأسس وكيف يكون الممثل ممثلاً بالفعل لكن الخبرة تبقى في الممارسة. منذ أن كنت في سنتي الجامعية الأولى، أديت أدواراً مسرحية وتلفزيونية. الأساتذة في الجامعة من أكفأ المدرّسين. اضافة الى ذلك لدي في مدرسة البيت أستاذان هما جورج شلهوب والسي فرنيني. في المسرح مثلت في مسرحية (عمتي نجيبة)، ومن بعدها لم أقبل بمسرحيات لأني أختار الاعمال التي أشارك فيها بدقة. أما احترافي التمثيل فكان في الدراما التلفزيونية. لكن مما لا شك فيه أن كل تجربة هي مدماك اضافي في مسيرة الفنان تزيده خبرة. والخبرة مهمة جداً في مهنتنا. فالتمثيل في حال تطور مستمر كما تتطور المجتمعات. فالأفلام الهوليوودية الأولى والتي شكلت ظاهرة في زمانها، لو أريد لها أن تعاد اليوم، بالتأكيد ستعاد بشكل متطور وبتقنية تحاكي العصر وتواكبه. حتى المسلسلات اللبنانية لم تعد مقبولة كما كانت في الماضي على صعيد التمثيل والتقنيات. اقتربنا أكثر نحو الواقعية والطبيعية. من هنا على الممثل أن يطور نفسه باستمرار».
ويختم يورغو بالقول «أعتبر نفسي بشهادة المعنيين في الفن وبالجوائز التي نلتها ممثلاً جيداً ولكن العين لا تعلو على الحاجب، على ما يقول المثل. فأنا ما زلت نقطة في بحر والدي ووالدتي».