واستكمالا لموضوعنا السابق نقول ان الراصد للساحة الإسلامية يلحظ انه من اولى الجماعات الاسلامية السياسية هي تلك الجماعة التي اسسها حسن البنا عام 1928، وهذه الحركة استطاعت في ايامها ان تستقطب قطاعا كبيرا من ابناء الطبقة المتوسطة، وان تلعب دورا فاعلا في تهيئة الاجواء والنفوس للقضاء على الحكم الملكي في مصر، وقد اعترف الضباط الاحرار الذين قاموا بثورة يوليو 1952 بالدور الرئيسي الذي قام به افراد هذه الحركة، ولا سيما الجناح العسكري منها فضلا عن دورهم المهم في حرب فلسطين 1948 وذلك في عهد الملك فاروق، حيث استطاعت هذه الحركة مع كل ما تعرضت له من قمع ان تتوسع في نشاطها في اغلب الساحات العربية، واستطاعت ان تؤثر التأثير الكبير على غالبية الشبان العرب.
/>وايا كان الامر فقد كانت بداية الحركة الاسلامية التي انبثقت من مصر، ولمصر بطبيعة الحال الثقل الكبير على الصعيد الثقافي والحضاري لتمتد إلى لبنان وسورية فالخليج، وما ان حل عام 1970 وبسبب نتائج هزيمة يونيو 1967 وتقلص المد القومي والتأثير الناصري، كانت ردة الفعل حينذاك عنيفة إلى حدها الاقصى، وهنا تعززت الحركة الاسلامية بعامة ولا سيما «جماعة الاخوان المسلمين»، وذلك بسبب حضورها القديم في الساحة السياسية وتراكم خبراتها، فضلا عن الأعداد الهائلة، من كوادرها، هذا مع ما رافق المشروع القومي من عجز وفشل مرير، وهنا تعزز الاسلام السياسي، وقد فشلت جميع المشروعات الاخرى التي سيطرت على الساحة العربية كالمشروع الاشتراكي وغيرها.
/>والخلاصة ان الفشل الكبير الذي منيت به الحركة القومية، وعجز الانظمة العربية الاخرى عن نشر العدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة والارتقاء بالبلاد، كل هذه الاسباب دفعت اعدادا كبيرة من الجهود إلى الانخراط في الحركات الدينية، ولعل للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دورا كبيرا في تكريس هذه الحركات، والاسباب تعود كما قلنا إلى فشل المشروع القومي والمشروع الماركسي في تحقيق اهداف المجتمع وبناء الدولة واعطاء الناس حقوقها وحرياتها والاستبداد الذي واكب هذه السلطات، ماكّرِه هذه المجتمعات في تلك الاشكال من السلطة، واندفاعهم إلى احضان الحركات الدينية، هذا فضلا عن فشل مشروعات التنمية وتحقيق حاجات الناس، وايضا غلبة الفكر العسكري بما يصاحبه من قمع وعنف على الفكر المدني، والتماس الشعوب هويتها الحضارية من خلال تراثها وعقيدتها التي كانت يوما ما السبيل إلى مجدها، ومن هذه الاسباب بدأت الحركات الاصولية بالانتشار والتمدد والتغلغل بين المجتمعات، وظهر ما نشاهده اليوم من توسع لهذه الحركات الاسلامية السياسية، ولكن السؤال هنا ماذا لو وصلت هذه الحركات الاسلامية إلى سدة الحكم فهل يبقى للديموقراطية عنوان، وهل يبقى للحريات أثر؟
/>علي غلوم محمد
/>كاتب كويتي
/>ali_G93@hotmail.com
/>